غادة الصنهاجي: برنامج “ثقافة بلا حدود ” هو المكان الطبيعي للأدباء والفنانين والمبدعين/ حاورتها : أسماء التمالح

سنة سعيدة حافلة بالعطاء والإنتاجات الهادفة نتمناها لك أستاذة غادة، ومرحبا بك ضيفة كريمة نتقاسم وإياها متعة الحوار. شكرا لقبولك دعوة المدونة، نود في البداية أن نقترب أكثر من غادة الصنهاجي، من هي؟

جميل أنك كتبتِ من هي ولم تكتبي من أنتِ؛ لأننا لا نملك حقا أنفسنا، ولا يسعنا أن نجعلها طوع أمرنا أو نجد لها مآلا وقدرا وأجلا.
غادة الصنهاجي مجرد اسم منح لطفلة يوما قبل أن تصبح امرأة، وهذا الاسم كتبتهُ على الجدار وعلى طاولات المدرسة وعلى أوراق الامتحان قبل أن يكتب في أوراق التعريف وجواز السفر وعقود العمل ووثائق أخرى.
غادة الصنهاجي تعريف امرأة أجبرت على معرفته وإلا لما اعترفوا بوجودها، مجرد اسم سينتهي يوما مكتوبا على لحدها وإلى جانبه نمل كثير وزهر أبيض صغير.

متى ولجت عالم الصحافة؟ وهل كان دخولك إليه عن رغبة أم جاء صدفة؟

ولجت إلى عالم الصحافة كما ولجت إلى عوالم أخرى غيره، عن رغبة وعن صدفة؛ لأنني لم أخطط يوما مسارا لحياتي، لم أعد نفسي بآمال تخص مستقبلي، ولم أجدني يوما في مكان قد يلائمني.. لهذا تذبذبت كثيرا في اختياراتي، وبدأ صراعي مع ذلك في المرحلة الإعدادية من دراستي، إذ خيروني بين الأدب والعلوم والاقتصاد، وكنت في حيرة شديدة من أمري؛ ففي الأدب روحي، وفي العلوم ذكائي وفي الاقتصاد نمائي.

وفي الأخير، كانت الغلبة للروح، ومع ذلك لم أنفصل عن الباقي، إذ أبقيت على دراستي وتتبعي للمواد العلمية والاقتصادية، ومنها كان توجهي الجامعي نحو دراسة القانون، وبالموازاة معه درست في معاهد أخرى الكمبيوتر والتصميم والديكور..

أما دراسة الصحافة، فكانت ضرورية لولعي الشديد بالكتابة؛ وحتى لا يتم اعتباري دخيلة على الميدان عندما أنشر مقالا أو رأيا في صحيفة أو مجلة، فكما يقال “علم نافع وشهادة تدل عليه”.. وحقيقة ساعدتني كثيرا الدراسة الجامعية في الصحافة؛ لأنني من خلالها اكتسبت الدراية في الصحافة المكتوبة وفي الصحافة السمعية البصرية، وفتحت أمامي مجالات التدريب في محطات إذاعية وتلفزيونية ثم فرصة العمل في ميدان الإنتاج السمعي البصري، الذي مدني بالخبرة اللازمة في إعداد مختلف البرامج والإعلانات وفي طرق التواصل وربط العلاقات العامة، قبل أن ألتحق بالطاقم الإعلامي لقناة “تيلي ماروك”، لأبدأ رحلة جديدة في الميدان.

ماذا عن واقع الصحافة في المغرب؟

إذا سألت صحافيا في المغرب عن واقع الصحافة، فكما تسألين طبيبا عن واقع الطب وأستاذا عن واقع التعليم ومحاميا عن واقع العدل؛ فكل فرد منهم لا يملك حيال واقعه شيئا، بالرغم من انتمائه إليه. إن معرفة واقع ميدان الصحافة كغيره من الميادين يتطلب إمكانات بشرية ومادية، وإحصاءات وخبرات ومقارنات، وهذا ما قد تعجز عنه المؤسسات فبالأحرى الأفراد؛ لأننا لكي نحدد واقعا علينا أولا حصره، ولنفعل ذلك نحتاج إلى قرار وإجماع واتفاق، وهذا ربما ما ينقصنا في ذلك.

هل لك أن تقربينا من صورة المرأة العاملة في ميدان الإعلام والصحافة؟

لكي أقربك من صورة المرأة العاملة في ميدان الإعلام والصحافة، أحتاج إلى كاميرا جيدة؛ لأنني عاملة في الميدان، وأركز كثيرا على جودة الصورة، ولا يمكن أن أغفل أبدا عن الجزئيات البسيطة ومدى صفاء الألوان، كونها فضاء سيميولوجيا تعبيريا يمكّن من الوصف والنظر إلى الواقع. لهذا، من الصعب جدا استعراض مهاراتي في التصوير دون أن يكون هناك داع من توجيه خطاب معين، ولا رغبة لدي في التقاط صور بعيدة ولا في استعمال خدع ومؤثرات بصرية؛ فهناك فرق كبير بين إرسال مصور عادي إلى حفل زفاف وبين إرسال مصور صحافي إلى المناسبة نفسها، فالأول سوف يلتقط الصور الجميلة للعريسين والقاعة والضيوف، والثاني سوف يلتقط صورا من نوع آخر فعمله هو نقل خفايا كواليس المناسبة وقد يقلب بصوره موازين العرس. لهذا، سوف أعتذر عن عدم تلبية دعوة هذا السؤال، تفاديا لالتقاط النوعية الثانية من الصور.

فيم تختلف الكتابة الصحافية عن الكتابة الأدبية؟

لا يحتاج الاختلاف بين الكتابة الصحافية والكتابة الأدبية إلى أكثر من كبسة زر في محرك البحث على الأنترنيت، لتجدين الإجابة الشافية والوافية لهذا السؤال. ولأنني لست من هواة تقنية نسخ / لصق couper/ coller فلن أترك لك هنا جوابا عاما عن سؤالك الفضفاض، إنما سوف أخبرك على مقاسي أنني أجد ضالتي في الكتابة الأدبية أكثر؛ لأنها تفتح أمامي مجالا إبداعيا أرحب، ولا تقيدني ولا تحصرني في مكان ولا تفرض علي وقتا محددا ولا تلزمني بالإجابة عن جميع الأسئلة.. بكل اختصار مفيد، إن الكتابة الأدبية تشبهني كثيرا في فوضويتها الممتعة، ويحلو لي دائما التسكع أدبيا في أغلب أصناف كتاباتي.

الكتابة والأحاسيس، متى ينجحان في الوصول إلى قلوب المتلقين؟ ومتى يخفقان؟

عندما تركب الكتابة والأحاسيس مع قلوب المتلقين في الحافلة نفسها ينجحان في الوصول إلى وجهة واحدة؛ فالكتابة والإحساس الجيد في حاجة إلى ملتقّ جيد، وإلا فلن يتحقق أبدا ذلك الوصول المنشود إذا أخل أحد الطرفين بشروط جودته، والجودة تعني هنا أن تكون الكتابة صادقة والإحساس كذلك، والصدق في ذلك هو أن يبذل الإنسان طاقته العقلية والروحية دون إسفاف أو ابتذال، وأن يكون نظره سليما وقلبه معافى.

بالنسبة إليك غادة الصنهاجي، هل تتوجهين بكتاباتك إلى نخبة معينة من القراء، أم أن صبغة الانفتاح لديك حاضرة ومطلوبة كي يستفيد ويستمتع الجميع؟

سأكون كاذبة إذا حددت لك إلى من أوجه كتاباتي، وسأكون أنانية إذا أخبرتك بأنني أكتب لنفسي فقط. لهذا، سأحاول أن أكون واضحة في الرد عن هذا السؤال، فصراحة يؤلمني نشر كتاباتي أكثر مما يفرحني، لهذا لا أحرص كثيرا على تسويق ما أكتبه ولم أودع بعض كتاباتي في مجاميع قصصية إلا تحت إلحاح من بعض الأصدقاء الذين أكدوا ضرورة ذلك.. أكره أن يحدد ثمن لما أكتبه، وأنزعج من آراء الناس حول ما أكتبه، ولا أجد ضرورة لتصنيف كتاباتي في خانة معينة ولا تحديد نوعية قراء هذه الكتابات، ولست معنية بإعجابهم من عدمه. ولا أقول هذا نكرانا لجميل من أشاد بكتاباتي ولا انتقاما ممن ذموا أسلوبي، إنما ما أكتبه يكون نابعا من وجداني وعاكسا حالتي وشعوري، ولا أكتب إلا حين تنتابني رغبة ملحة في ذلك، فأكتب كمن يصرخ أو يبكي أو يضحك، أكتب لأخرج من الضيق الذي يخنقني وأتنفس الهواء في نصوص تريحني.

عنونت مجموعتك القصصية الأولى بـ(الهاربة)، ما الذي يجبر المرأة على الهروب، الأستاذة غادة؟

الخوف، إنه الشعور الذي يدفع صاحبه أو صاحبته إلى الهرب. إن كل هروب في حياتنا يقف من ورائه خوف من شيء ما، والمرأة كغيرها من الكائنات تهرب عندما تحس بالخطر وعدم الأمان والقيد، وعندما تحاصر المرأة وتهان وتستغل وتستعبد وتذل غالبا تختار طريقة ما للهروب.

تهرب المرأة لأنها قادرة على ذلك ومستعدة لتغيير مكانها في أية لحظة؛ لأنها قوية، ولأنها ذكية يكون الهروب حلا أسلم من المواجهة والحرب، ففي أحايين كثيرة تفضل المرأة الهروب حتى لا تقف أمام من تجده أقوى فيكسرها، وحتى لا تفقد ما تبقى من كرامتها، وحتى تمنح لنفسها فرصة أخرى في طريق جديد ومختلف.

الحياة هي وهو، وغادة الصنهاجي لها عمل إبداعي يحمل عنوان “هي وهو”، انتصرت فيه لصوت المرأة والرجل على حد سواء دون تحيز أو عنصرية. برأيك، ما الذي يفرق ويجعل “هي” في منأى عن “هو”، وما أسباب الصراع القائم بينهما على أرض الواقع؟
لا تخلو الحياة من الصراع، ولا يقتصر الصراع على حلبة واحدة بين متصارعين من جنسين مختلفين؛ فالإنسان ولو عاش وحيدا فهو في صراع دائم مع نفسه ورغباته وأهوائه، يصارع الطبيعة والكائنات لكي يضمن عيشه. إن نظام الحياة قائم على صراع دائم لا توجد أسباب مقنعة له، لقد وجد قبل الخلق وربما يستمر إلى ما بعده؛ فطالما هناك خير وشر وصبح وليل وسماء وأرض وأبيض وأسود ورجل وامرأة، فهناك انتصار وهزيمة وحرب وهدنة وضجيج وصمت وجنة ونار.

“ثقافة بلا حدود” برنامج تلفزيوني تستضيفين من خلاله مجموعة من الشخصيات المختلفة باختلاف المجالات التي يهتمون بها. كيف تختارين ضيوفك بالبرنامج؟

لا يتوقف اختيار شخصيات البرنامج الثقافي “ثقافة بلا حدود” علي شخصيا كمعدة ومقدمة، إنما يتوقف على أعمال الشخصيات التي تتم استضافتها؛ فأعمال المبدع هي التي تحدد أهليته للاستضافة من عدمها. إن برنامج “ثقافة بلا حدود” هو المكان الطبيعي للأدباء والفنانين والمبدعين، سواء مغاربة أو من مختلف بلدان العالم، وعبر البرنامج يلتقون مع جمهور متعطش للقاء الموهوبين والمحترفين منهم واكتشاف طاقاتهم الإبداعية وجديدهم، ولا أجد نفسي بمعية طاقم تقني محترف غير وسطاء بين الضيف وبين المشاهد، وهي مسؤولية كبيرة يضعها البرنامج على عاتقه حفاظا على مكانة الضيف وصونا لعمله ومجهوده ومحاولة لتقديمه على أحسن وجه احتراما لعمله ولتطلع المشاهد ولمكانة الثقافة التي نسعى بما يتوفر لدينا من جهد وطاقة أن تؤدي دورها في إشاعة الوعي وتنوير العقول وتهذيب الذوق العام.

إلى أي حد يزعجك ابتذال المرأة المغربية في الإشهار والإعلانات؟

مع الأسف، لن ينتهي ابتذال المرأة طالما لا توجد لدى المرأة رغبة واضحة في اجتثاث هذا الابتذال، فهي أيضا مسؤولة ومتواطئة مع الذين يستخدمونها في تسويق وترويج المنتجات والبضائع في مختلف الإعلانات الورقية والسمعية والبصرية. ولربما يفتقر الكثير من العاملين في هذا المجال، خصوصا في عالمنا العربي، إلى الإلمام بسيميولوجية وبلاغة الصورة في الإشهار وما تحمله من رسائل مبطنة تختبئ من وراء الرسائل الظاهرة؛ فمثلا عندما نشاهد إعلانا لمساحيق التنظيف أو للمواد الغذائية على تلفزيوناتنا العربية، نشاهد غالبا المرأة/ الفتاة هي التي تقوم بمهام غسل الثياب والأواني والطبخ بينما الرجل/ الولد يكون مستمتعا مستلقيا على الأريكة يأكل ويشاهد التلفاز موجها إلى المرأة آراءه وأوامره.

شاركت، مؤخرا، في ندوة علمية حول اللغة العربية وآفاقها، وقدمت مداخلة تحت عنوان “اللغة الفصحى والدارجة في وسائل الإعلام”. بنظرك، أيهما أنجع لمخاطبة المتلقي إعلاميا، علما أننا لاحظنا السنوات الأخيرة اكتساحا كبيرا للدارجة على حساب اللغة العربية الفصحى؟

تطرقت مؤخرا لموضوع اللغة خلال مداخلة بعنوان” اللغة الفصحى والدارجة في وسائل الإعلام”. وأيضا في مقال “الغزو اللهجوي” الذي نشرته بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية على موقع دار نشر EN TOUTES LETTRES، وتساءلت فيه عن موقع هذه اللغة الرسمية من واقع يشهد اجتياحا من اللغة الدارجة في الإدارات والمصالح ووسائل التعليم، وأشرت إلى الدور السلبي لمواقع التواصل على اللغة وأيضا تهافت الأسر على تعليم أبنائها بمناهج التعليم الفرنكفوني؛ لكن بالرغم من عدم تفاؤل المتخصصين في اللغة العربية بمستقبلها، فإن هذا لا يمنع ولا يحول دون الاستمرار في التساؤل والبحث في أسرار الخصومة بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى أو أن نصنف أنفسنا عشوائيا من أنصار لغة على حساب لهجة أو العكس، لأن الأمر يتطلب المزيد من الدراسة والبحث المعمق، فعدد كبير ممن سبقونا إلى التوغل في الموضوع تضاربت آراؤهم حول هذا الموضوع، ومنهم من وجد أن اللغة الفصحى السبيل الوحيد لتحقيق قوة ووحدة المجتمعات العربية، ومنهم من وجد أن اللهجات كانت طريق المستشرقين للوصول إلى عمق ثقافات المجتمعات العربية وإلى النهل من ثمارها.

“ممنوع على الرجال” ما هو الممنوع على الرجال، ولماذا اختيار عمود على يومية “الأخبار” الورقية بهذا الاسم؟

يعود اختيار ركن “ممنوع على الرجال” إلى رئيس تحرير جريدة الأخبار، الذي فتح مشكورا أمامي سنة 2015 المجال للكتابة في هذا الركن بالتناوب مع أقلام نسائية أخرى. وحقيقة أستمتع بالكتابة في هذا الركن المثير الذي يدفعني بدوري إلى التساؤل هل المنع في عنوانه يتعلق بمنع الرجال من قراءته أم من الكتابة فيه؟ وفي كلتا الحالتين، الركن يحقق مقولة “الممنوع مرغوب”. وبالنظر إلى الموقع المتميز لعمود “ممنوع على الرجال” في الصفحة الأخيرة لجريدة “الأخبار” الأكثر مبيعا في المغرب، فهو يحقق نسبة قراءة عالية ويمنح لمجموعة من النساء فرصة التعبير عن آرائهن المتباينة في مختلف المواضيع.

ما الذي تسعين إليه من خلال تقديمك لبرنامج “كتاب اليوم” على قناة تيلي ماروك؟ وما انطباعك حول واقع القراءة الحالي بالمغرب وبالوطن العربي عموما؟

“كتاب اليوم” برنامج ثقافي أعده وأقدمه على قناة “تيلي مروك”؛ وهو برنامج يومي مدته دقيقتان، أسعى من خلاله إلى فتح شرفة معرفية أمام المشاهدين ليطلوا على روائع الكتب الفكرية والأدبية والفنية، في قراءة يومية موجزة وتعريفية تفتح الشهية الفكرية للمشاهد وتغريه بالقراءة وباختيار كتاب يناسبه من بين أشهر وأهم وأحدث المؤلفات المغربية والعربية والعالمية.

بالنسبة إلى انطباعي الشخصي حول واقع القراءة بالمغرب وبالوطن العربي عموما، فهو إحساس إيجابي لا يخلو من التفاؤل؛ فالواقع مهما كان نحن قادرون على تغييره، فنحن الذين نصنع الواقع، ولا يمكننا أن نستسلم له مهما حاول ضاغطا علينا بظروفه الصعبة التي تتطلب التحدي والتسلح بالإرادة. وهذا ما جعلني أغامر بالغوص في برامج ثقافية تشجع وتحفز على القراءة. إن غرس كتاب في قلب وعقل قارئ تماما كغرس شجرة يحتاج إلى تحمل وصبر ووقت ومجهود لتنضج ثماره، ولن نستعجل قطفها وإلا سنجدها مرّة. وطبعا، إذا غرس كل منا في مكانه نبتة وأحسن رعايتها ستتحول أرضنا مهما كانت قاحلة إلى غابة أشجارها وارفة.

أشكرك، الأستاذة غادة، على صبرك وسعة صدرك.. وأترك لك الكلمة الختامية للقاء؟

الشكر موصول لك على طيب الاهتمام بمسيرتي المتواضعة، ولست أجد في ختام هذا الحوار سوى بداية للقاء جديد خاتمته مفتوحة على الدوام في وجه من يحملون مصابيح المعرفة وينشرون ضوء المحبة في عتمة العقول والقلوب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *