تنهض قصص مصطفى يعلى: «عند ربوة متاخمة للغابة»، و«حكاية مجنون»، و«ذاكرة رجل هش»، على مشروع سردي تتجاوز فيه القصة القصيرة حدود الحكاية المباشرة، لتتحول إلى بنية دلالية متماسكة، تتشابك فيها الأزمنة، وتتداخل مستويات الوعي، وتتحول الأمكنة إلى عناصر فاعلة تكشف هشاشة الإنسان المعاصر أمام الخوف والعزلة وتآكل المعنى. ومن منظور بنيوي، فإن أهمية هذه النصوص لا تكمن في موضوعاتها وحدها، بل في الطريقة التي انتظمت بها عناصرها داخل شبكة من العلاقات الداخلية المنتجة للدلالة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه القصص قدرتها على الحفاظ على مركز توتري واحد داخل كل نص. فالقصة القصيرة بطبيعتها تحتاج إلى درجة عالية من التكثيف والتركيز، لأن تعدد المراكز التوترية يؤدي غالبا إلى تفكك البناء وفقدان الأثر. لذلك تبدو هذه القصص واعية تماما بهذه الخصوصية الفنية؛ فعلى الرغم من كثافة الرمز، وتعدد التأويلات الممكنة، بقيت كل قصة محافظة على بؤرة سردية واضحة تدور حولها بقية العناصر. ففي «عند ربوة متاخمة للغابة» تتمحور البنية حول الخوف والرغبة في الانتقام، وفي «حكاية مجنون» حول التوتر بين الحب والعنف، أما «ذاكرة رجل هش» فتتمحور حول تصدع العلاقة بين الإنسان وزمنه بعد فقدان الوظيفة والمعنى. وهذا التماسك منح النصوص قدرة على الحفاظ على أثرها النفسي والفني دون تشتت.
وتتأسس البنية السردية في القصص الثلاث على وجود ذات مأزومة تواجه عالماً فقد انسجامه. غير أن هذا التوتر يتجسد بصور مختلفة؛ ففي «عند ربوة متاخمة للغابة» يتخذ شكل مواجهة بين الإنسان وقوة غامضة ممثلة بالغابة والخنازير، وفي «حكاية مجنون» يتجسد في الصدام بين الحلم العاطفي والعنف الكامن في المجتمع، بينما يتمثل في «ذاكرة رجل هش» في انهيار العلاقة بين الإنسان وزمنه بعد التقاعد. وعلى الرغم من اختلاف الحكايات ظاهريا، فإن البنية العميقة تكشف أن الشخصيات الثلاث تعيش التجربة نفسها: محاولة التشبث بنظام يتداعى من حولها.
وتقوم هذه القصص على شبكة واضحة من الثنائيات الضدية التي تمنحها تماسكها البنيوي؛ مثل: الحب/الموت، الماضي/الحاضر، النظام/الفوضى، الإنسان/الوحش، الحلم/الانهيار. وهذه الثنائيات ليست مجرد زخرفة فكرية، بل هي المحرك الداخلي للأحداث والدلالات.
ويبرز في قصة «عند ربوة متاخمة للغابة» حضور المكان بوصفه عنصراً فاعلاً داخل البنية السردية. فالغابة هنا لا تؤدي وظيفة خلفية تجري فيها الأحداث، بل تتحول إلى كائن حي يضغط على الشخصية ويولد الخوف ويوجه حركة السرد. وهذا إنجاز لافت، لأن تحويل المكان إلى عنصر فاعل يحتاج عادة إلى مساحات سردية واسعة، بينما استطاعت القصة القصيرة هنا أن تحقق ذلك بكثافة عالية وفي مساحة محدودة. فالغابة ليست مجرد أشجار وظلام، بل فضاء رمزي للغموض والتهديد والمجهول، حتى إن الشخصية تبدو في كثير من المقاطع وكأنها تواجه المكان نفسه لا الخنازير فقط. ولهذا اكتسبت القصة توترها النفسي العميق.
أما الزمن، فهو من أكثر العناصر إحكاماً في هذه النصوص. فالقصص لا تعتمد زمناً خطياً بسيطاً، بل تقوم على تنقل مرن بين الماضي والحاضر والاسترجاع والتداعي الداخلي. والأهم أن هذا الانتقال جاء سلساً وغير مفتعل، بحيث لم يشعر القارئ بانقطاع حاد في البنية السردية. وهذا يعكس تمكناً واضحاً من تقنيات السرد، لأن التحكم بالزمن من أصعب الأدوات الفنية في القصة القصيرة. كما أن هذا التنقل الزمني حافظ على شد انتباه المتلقي، حتى في اللحظات التي لا تكون فيها الحكاية نفسها قائمة على حدث خارجي كبير أو مفاجآت متلاحقة. فالجاذبية هنا لم تأت من الحدث وحده، بل من طريقة بنائه سردياً، ومن كيفية انسياب الوعي داخل الزمن.
وعلى مستوى الشخصيات، فإن النصوص لا تقدم شخصيات مكتملة نفسياً بقدر ما تقدم ذواتاً مأزومة تكشف عن حالة إنسانية أوسع. فالشخصيات هنا تؤدي وظائف داخل النسق السردي؛ الرجل في «الربوة» يمثل الإنسان المحاصر بالخوف والرغبة في السيطرة، والعاشق في «حكاية مجنون» يمثل براءة الحلم الإنساني أمام عنف الواقع، أما الرجل المتقاعد في «ذاكرة رجل هش» فيمثل الإنسان الذي فقد دوره الاجتماعي ففقد معه جزءاً من هويته.
وتؤدي اللغة دوراً مهماً في بناء هذه الرؤية. فهي لغة كثيفة تعتمد على الصور والانزياحات التعبيرية، لكنها في الغالب بقيت مرتبطة بالحالة النفسية للشخصيات ولم تتحول إلى زخرفة مجانية. فالصور هنا تسهم في بناء الجو النفسي وتعميق الإحساس بالاختناق والقلق والاغتراب.
أما النهايات، فهي من أكثر العناصر نجاحاً في القصص الثلاث، لأنها لم تأت منفصلة عن البناء السابق، بل جاءت متكاملة معه في إحداث الصدمة لدى المتلقي. فالنهايات هنا ليست مفاجآت معزولة، بل نتيجة طبيعية للتوتر الذي راكمه السرد منذ البداية. ففي «حكاية مجنون» يتحول الانتظار الرومانسي إلى انفجار كارثي، وفي «ذاكرة رجل هش» يكتشف البطل فجأة أنه متقاعد منذ عام كامل، أما في «عند ربوة متاخمة للغابة» فيتحول الصياد تدريجياً إلى فريسة. ولهذا جاءت الصدمة مؤثرة، لأنها نابعة من صميم البنية السردية لا مفروضة عليها من الخارج.
وفي المحصلة، تكشف هذه القصص عن مشروع قصصي يمتلك وعياً واضحاً بأدوات القصة القصيرة الحديثة، خاصة في ما يتعلق بالتكثيف، وبناء التوتر، واستثمار الزمن، وتحويل المكان إلى عنصر دلالي فاعل. كما تنجح في تحويل أحداث تبدو بسيطة ظاهرياً إلى أسئلة عميقة تتعلق بالخوف والزمن والهوية والمعنى. ولذلك فإن قوة هذه النصوص لا تكمن فقط في موضوعاتها، بل في قدرتها على بناء عالم سردي متماسك، يجعل القارئ يشعر أن هشاشة الشخصيات ليست فردية، بل هي صورة لهشاشة الإنسان المعاصر نفسه.
























