إن التدوين الإلكتروني الهادف أسمى من أن ينخرط في الاعتداء على الثوابت الدينية، والنيل من القيم الإنسانية النبيلة؛ إذ إن هناك مليون طريقة ليسمع المرء صوته، ويثبت حضوره بعيدا عن أي إساءة للمشترك الديني والأخلاقي والإنساني، ومن يبغي تسلق سلم الشهرة والأضواء سريعا يسقط بشكل أسرع. لذلك، أي استعمال للدين والأخلاق والقيم الإنسانية في غير محلها الطبيعي من شأنه أن يشوه صورة الفاعل بالدرجة الأولى قبل أن يشوه المجال.
إذا كنت مدونا إلكترونيا فأنت حامل قلم ورسالة جليلة، لا حربائيا تتلون بتلون المصالح الشخصية وتنبطح للهوى الذاتي والمزاج المتقلب. أنت مدون إلكتروني لا يعني الثورة على المقدسات والتمرد على الحريات العامة، لأن حريتك تنتهي عند حرية الآخر، وأي تداخل بينهما ينتج صراعات وفتنا واشتباكات لاتجدي نفعا، بقدر ما توغل المجتمعات في مستنقع العنف والكراهية والأحقاد عوض أن تسمو بالإنسانية إلى درجات الرقي والحضارة والسلم والسلام.
إن كنه التدوين الإلكتروني يكمن في كونه إبداع أصلي ينبع من فكر الشخص ذاته، لا من إملاءات من أجندات معينة، ولا من محاولات ترسيخ مبادىء لا علاقة لها بالحداثة وألحقت بها عنوة في سبيل بلوغ مكاسب معينة.
ومما يجمع عليه هو أن التدوين الإلكتروني مسؤولية عظيمة، تمرر عبره مجموعة من المفاهيم التي يلزم أن تخدم الإنسان، لا أن تهوي به إلى الجحيم وتسلمه للضياع النفسي والايديولوجي …
لأجل ذلك، من له توجهات معينة تخالف الطبيعة العامة فليحتفظ بها لنفسه وليعش على منوالها لوحده دون أن يجر معه آخرين لا ذنب لهم، وهو يزين لهم الطريق ويوهمهم أنهم يركبون صحبته سفينة النجاة، وهو نفسه يركب المجهول ولا يدري أين يستقر به الحال.
التدوين الإلكتروني مساحة مهمة وجيدة للتعبير عن الرأي السديد، والنطق بالكلام الفصيح المفهوم لا الملغوم الذي ظاهره عسل وباطنه سم مغلف.
إن بين التدوين الإلكتروني الحقيقي والتدوين الإلكتروني المسخر للنيل من المعتقدات الدينية والرموز الوطنية والأفراد في سمعتهم حقدا مسافة فارقة، ولعل ذلك ما ساهم في إعطاء صورة غير الصورة الحقيقية للتدوين الإلكتروني في المغرب وغيره، حيث يقف عموم الناس على صفة مدون غالبا في حالات تخدش الحياء العام، وتستفز المشاعر، وتؤذي النظام العام، وتغيب صورته إلا فيما ندر وهو يمثل المجال في جوهره الأصلي.
شيء آخر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن كل من أراد أن يقترف جرما بحق نفسه أو يلحق ضررا بالغير،، اتخذ من التدوين الإلكتروني ملاذا يصرخ تحت لوائه، ومطية يختبئ بين ثناياها، ليكون الاختفاء بعد ذلك، تاركا وصمة عار بالميدان الذي لم يكن قط ميدانه من البداية، وإنما استظل به وتلحف به لغاية في نفس يعقوب.
التدوين الإلكتروني في حقيقته إذن هو ممارسة متواصلة، وهو خط تحريري واضح ومكشوف، له ضوابطه وأسسه التي تحقق النجاح، وتكسب احترام الناس وتقديرهم ومحبتهم عوض خلق بلبلة وإثارة جدل حول مواضيع محسوم في أمرها منذ الأزل، حيث الانجراف نحوها أثبت قطعا أنها تضر بالبشرية فصارت متجاوزة لكونها استهلكت كثيرا دون نفع يذكر.
























