تلذذ البعض بما أصاب مدينة القصر الكبير من فيضانات طالت أحياء كثيرة وشوارع ومباني بالمدينة فرضت إخلاءها من السكان حفاظا على حياتهم وأرواحهم، وسارعوا بالصياح أنها “دعوة المجدوب” على هذه الأرض الطيبة بالغرق، والحقيقة أن هذه الفيضانات إنما هي تدبير رباني لشؤون ملكه، وقضاء إلهي يختبر صبر عباده المؤمنين، وإذا كان هذا “المجدوب” قد دعا على مدينة القصر الكبير بالغرق فاستجيب له فمن دعا على باقي مدن المغرب، ومن دعا على دول أوروبا وآسيا وغيرها، أهو المجدوب مرة أخرى؟!؟!
لعل الموقع الجغرافي لمدينة القصر الكبير كفيل بالإجابة عما حدث ويحدث، إذ الفيضانات جزء من المدينة بحكم وجودها على سهل، وهي محاطة بنهر اللوكوس وسد وادي المخازن وطبيعي جدا أن تشهد فيضانات إذا ما غزرت الأمطار وسجلت درجات قصوى في الهطول، بصرف النظر عن مدى اهتمام المسؤولين بصيانة السد وحفظ آلياته من الأعطاب ومراقبته والوادي في حالات تصاعد مياهه وهبوطها.
لم يكن المجدوب سوى رجلا جاب أرض الله الواسعة، نطق حكمة تارة وخانه التعبير تارة أخرى أو أسيء فهمه بالأحرى، فمدينة القصر الكبير معروفة برجال الدين والتصوف والزهد، مشهورة بأولياء الله الصالحين الذين كرسوا حياتهم لعبادة الله ونصرة الدين الإسلامي الحنيف، لدرجة أنها وصفت بمدينة ” كل خطوة بصالح”، أي أن كل ماش بهذه المدينة العريقة تاريخا وحضارة إنما هو يمشي وذكر إسم رجل صالح تعبد بالمدينة يرافقه؛ وكما هو معلوم، فالأراضي التي يرفع فيها ذكر الله تعالى وترفع فيها آيات كتابه العزيز محفوظة بإذن الرحمان، لا ينال منها “دعوة مجدوب” واحد ولا مجاديب كثر، لأن الملائكة تحفها من كل جانب وتبعد عنها الشرور ولو حلت بها.
لم يقم المجدوب بكل بقاع العالم، ومع ذلك تنتشر الفيضانات بمناطق متعددة باعتبارها كوارث طبيعية تضرب من حين لحين أرض الله بإذن منه جل جلاله وليس “بدعوة المجدوب”، وعلينا أن ندرك أن الصالحين حقا لا يدعون على الناس بالهلاك، وكم من صالح عاش بمدينة القصر الكبير لم يؤخذ عنه أن دعا على الناس بالشر يلحقهم، بل كلهم تركوا أفعال خير وأعمال صالحة استوجبت الدعاء لهم بالرحمة وهم بين يدي الله اليوم، ناهيك عن الدروس التي أعطوها في التحلي بالأخلاق الكريمة من قبيل الإيثار والكرم والتسامح والتعايش والعفو عند المقدرة عند اقتضاء الأمر..
لا يتحرك الكون بمزاج أحد، بل بإشارة من رب الكون الذي إذا قال ويقول للشيء كن فيكون، أما المجدوب وغيره فلا سلطة له ولغيره على شيء، وبالتالي فالفيضانات التي تغرق مدينة القصر الكبير حاليا هي أمر من أوامر الله، تجد لها تفسيرات علمية كثيرة على ألسن المتخصصين، فتبقى بعيدة كل البعد عن أي دعوة تفوه بها المجدوب، قريبة كل القرب من إرادة رب العالمين.
فيا أيها الشامتون في مدينة القصر الكبير وما حل بها وبأهلها، دعوا المجدوب مستريحا في قبره، ارحموه من ادعاءاتكم، خذوا العبرة من سكان القصر الكبير في تعطير أفواههم بكلمة الحمد والشكر لرب العالمين وهم في أعظم ابتلاء، كونوا العون والسند في المحن، فوالله إن القصراويين في منحة من خالقهم، يطهرهم بها ويزكيهم، ويخبركم سبحانه وتعالى أن لا سلطة في الأرض إلا سلطته، ولا قضاء يقضى إلا قضاؤه، والمجدوب نفسه قد قضى نحبه ورحل، فاتركوه بسلام.























