أبعدت الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير مؤخرا سكانها عن ديارهم وفضاءاتهم المحببة إلى قلوبهم، وأغلقت المدينة بأمر من السلطات العمومية لحين تهدأ العواصف ويصير الجو صحوا وتستقر الأوضاع المناخية.
كل القصراويين اليوم خارج مدينتهم بمدن مغربية متفرقة، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وقلوبهم وجلة تنتظر الإذن من الجهات المسؤولة بالرجوع إلى حضن مدينتهم الأم القصر الكبير في حنين جارف وشوق حار، ولسان حالهم يردد في شجون: ” الحبيب يا القصر”.
خلت دروب وأزقة وشوارع وبيوت مدينة القصر الكبير من القاطنين، ولم يبق بها سوى رجال السلطة ومساعديهم بمختلف تلاوينهم ورتبهم وصفاتهم يتفقدون المدينة ويحرسونها.
اشتاق القصراويون لحكايات القصرالكبير، لنهارها وليلها، لخيراتها وبركاتها، لطقوس العيش بها ولبساطتها، لدفئها وحلاوة الذكريات بها. اغرورقت عيونهم بالدموع وفي تنهيدة نابعة من القلب المحب الشغوف الموجوع على الفراق، جاء صوتهم بنبرة واحدة: ” الحبيب يا القصر”.
كنا في نعمة ونحن بين جدرانيك ولم نحمد ربنا ونشكره وها نحن افتقدنا هذه النعمة اليوم. كنا نذم ونهزأ ونلعن الزمن الذي أوجدنا بأرضك المفتقرة لكثير من الأشياء وها نحن اليوم نتمنى لو تغفر لنا حمقنا وتشفق علينا من شتات فرق بيننا يا ” الحبيب يا القصر”. كنا في استقرار وأمان وبتنا في خوف وهلع يسيطر علينا الذهول وتغزونا الصدمة ومن يشعرنا بالأمان غيرك يا ” الحبيب يا القصر”؟؟
أفعلا نستحق ما حل بنا؟!
أمعقول لفظتنا القصر الكبير إلى خارجها ؟! هكذا يناجي القصراويون أنفسهم بحثا عن جواب شاف تارة، ولوما خفيا وعتابا قويا تارة أخرى.
افتقد القصراويون لذة العيش بحضن مدينتهم القصر الكبير وهم في غربة عنها جراء الفيضانات، وأصبحت لغتهم الواحدة الموحدة هي: ” الحبيب يا القصر”.
أين أيامك؟؟ أين حواريك؟؟ أين شوارعك الملآى بالمتجولين؟؟ أين خصوصيتك المتميزة ؟؟ أين هويتك الثقافية؟؟
أين جاري فلان وخالتي فلانة؟؟ أين الرزيزة؟؟ أين التشورو؟؟ أين سوق سبتة؟؟ أين القطانين؟؟ أين اللمة العائلية؟؟ أين الفرحة التي كانت تملأ بيوتنا كل ” اعواشر” ؟؟ أين تحضيرات رمضان ببيوتنا القصرية؟؟ أين رائحة ” الشباكية” و” السفوف” بأحيائنا؟؟ أين وأين وأين …؟؟
غاب كل شيء يا ” الحبيب يا القصر”، صمت كل شيء فجأة فيك يا القصر، إلا خرير المياه التي غمرتك.
” الحبيب يا القصر” افتح أبوابك فأبناؤك متكدسون يلتمسون رضاك، متعطشون لمعانقتك وطلب العفو عما بدر منهم في حقك.
” الحبيب يا القصر” بٱسم الأجداد الموجودين تحت ترابك، والآباء المتطلعين لرأفتك، والأبناء الفرحين للقاء أقرانهم بأرضك، دع شمسك تشرق من جديد، واحضن عاشقيك، وافسح الطريق لكل واصل ينبض قلبه حبا يريد لقاءك.
” الحبيب يا القصر” رمضان لا يحلو إلا بقربك، الطبال والنفار والغياط جاهزون، و ” المخمارة ” المطهية تناشدك، صوت المآذن يناديك يا قصر الإيمان بالله، وصلاة التراويح بنفحاتها تقول لك: هنيئا لك بكل هذا الحب يا القصر، هيا عانق أبناءك ومحبيك كفى دلالا يا كبير. “الحبيب يا القصر” يحبك أهلك مثلما تحبهم، كتب الله تعالى رجوع أحبابك إليك في أقرب الآجال، وأدام عليك وعليهم نعمة الود والوصال، ولا أبكى الله عينيك وأعينهم يا حبيب.




















