خرجت في جولة لبعض المناطق الخضراء الحديثة التشييد بمدينة العيون رفقة الوالدة الكريمة وشقيقي، كلما سحرني مكان ركضت إليه أشير لأخي بأن يلتقط لي صورة به، فيستجيب ونحن نمازح بعضنا ونتضاحك.
لاحظنا شخصا غريبا يلاحقنا، يراقبنا ويتابع تحركاتنا، كان شابا من ذوي الاحتياجات الخاصة، يتنقل على كرسي متحرك، رسمت نظراتنا علامات استفهام حول هويته، ومن يكون، علما أن المنطقة كانت لا تزال تعرف بعض الصراعات حول الأرض، إذ كثيرا ما كنا نصادف في الطريق بعض السلوكات المستفزة من بعض الإنفصاليين، فنترفع عنها، ونزداد فخرا أن العلم المرفوع هو علمنا الأحمر الذي تتوسطه نجمة خضراء، والصور المعلقة في عدد من الأمكنة هي لملكنا محمد السادس حفظه الله.
لم نجرؤ على سؤال الغريب ماذا يفعل بيننا وماذا يريد، وقفنا ننظر إليه ننتظر أن يأخذ هو المبادرة، فإذا به يتقدم نحونا باستحياء وخجل مادا هاتفه لنا قائلا بصوت لا يكاد يسمع:
” واخا تصوروني حتى أنا بحالكم .. بغيت نتصور بحال تصورتو “
تسلمنا منه الهاتف على الفور بحب إنساني كبير، وقلنا له الثلاثة بصوت واحد :
” انت الأول، على الراس والعين، مرحبا “
علت وجه الشاب المقعد فرحة لا توصف وقد قوبل طلبه بالموافقة. التقط له شقيقي مجموعة من الصور على غرار ما فعلنا نحن، تعبيرا له على أنه لا يقل قيمة أو قدرا عن أي أحد، انطلاقا من كونه إنسان قد يكون رب العالمين ابتلاه في صحته لكنه أبدا لم يحرمه حقوقه أو يجعله مخلوقا من درجة ثانية حاشا لله.
كان الشاب منتشيا سعيدا جدا وشقيقي يلتقط له صورا بفضاءات العيون الجميلة، وكنا الثلاثة في قمة الفرح حسبنا أننا استطعنا إدخال السرور لقلب إنسان لا نعلم ما بداخله من معاناة وألم.
بين الفينة والأخرى أتدخل بشقاوتي وأخاطب الشاب:
” هيا يا صديقنا ابتسم .. ابتسم باش يجيواك تصاور مزيونين “.
يستجيب الشاب برضا تام، وتتلاحم أرواحنا في أننا بدون مشاعر الإنسانية لا نساوي شيئا. هم أخي برد الهاتف لصاحبه الشاب، وكان الأخير ينتفض من فوق كرسيه المتحرك يحاول النهوض ليعانق أخي ويقبل رأس الوالدة ويحييني، غير أنه كان يفشل في كل محاولة، طلبنا منه أن يهدأ وأخبرناه أننا أكثر فرحا وسعادة منه أن نجحنا في تحقيق طلبه بكل احترام وتقدير. اغرورقت أعيننا بالدموع ونحن نودع الشاب المقعد سائلين الله تعالى أن يمتعه بالصحة ويشفيه ويعافيه.
لم يكن صنيعنا من باب المجاملة للشاب إنما منحا لحق من حقوقه المشروعة، ودلالة على أنه لاينقصه شيء وإن تعطل عضو من أعضائه عن العمل، المهم أن تكون الروح جميلة مقبلة على الحياة راضية بقضاء الله وقسمته وحامدة شاكرة للواحد الأحد. ما أروع أن يتصدق المرء بجزء من وقته لحساب إنسان آخر بهدف إدخال الفرحة لقلبه وإسعاده.

























