يظل التدوين الملاذ الأمثل للتعبير عن الفكر الراقي، والفضاء الأنسب للتوثيق التاريخي للأحداث والمناسبات والوقائع، كما يظل تلك المساحة المتاحة للكتابة الهادفة والرسالة النبيلة التي يراد من ورائها تحسين جودة الأوضاع والظروف، والإسهام في الدفع بعجلة الرقي الفكري والتنمية الشاملة نحو الأمام.
إن المدونين الحقيقيين يحظون بالتقدير الكبير باعتبارهم حراس المعرفة الرقمية وصناع المحتوى البعيد عن الإنتهازية والاسترزاق والميوعة، وهم بعيدون عن إقحام المجال في مشاكل هو في غنى عنها، ولا يجعلون منه مادة دسمة لنيل مكاسب شخصية بطرق مقيتة، ولا يستخدمون التدوين وسيلة انتقامية للنيل من الخصوم.
تتمثل القيمة الحقيقية للتدوين في الفضاء الفسيح المتاح الذي يساعد على تحليل الأفكار عوض سطور سطخية مثتضبة تنشر هنا وهناك. كما تتجلى قيمته الحقيقية في الملكية المستقلة التي يحظى بها المدون على منصته الخاصة بالكامل سواء على وورد بريس أو بلوجر خارج أي شروط أو مزاجية لخوارزميات شبكات التواصل الأخرى. هذا إلى جانب التوثيق والأرشفة التي تعد أبرز ما يميز العمل التدويني في حقيقته، إذ تعيش التدوينات مدة أطول، وتبقى مرجعا قابلا للبحث على محركات البحث لسنوات ممتدة، على عكس باقي المنشورات الإجتماعية الأخرى التي ما تلبث تختفي عن الأنظار في غضون وقت قصير ومحدود.
لا تقف القيمة الحقيقية للتدوين عند هذا الحد، بل تتخطاه إلى المقاومة المعرفية، حيث يشكل التدوين الهادف حائط صد في وجه المحتويات الهابطة التي لا تجنى منها فائدة، فيحقق بذلك هيبة الكلمة المكتوبة وسمو التعبير السليم.
إن المدون الناجح يكتب لنفسه أولا قبل أن يكتب لغيره، لا يكترث لهوس الأرقام وعدد الزيارات، ولا يلتفت لكم الإعجابات وسبل جلبها لأنه منشغل بمتعة التعبير الحر، وبقداسة الرسالة التي سخر قلمه لها فكرة وإبداعا، نقدا وتحليلا، صورة وكتابة… ولعل جودة المدون تكمن في بقائه واستمراره، في الوقت الذي تشهد فيه الأشكال الرقمية المتعددة تغييرا وتبديلا في كل حين، وتقديم المدون لمحتوى متميز غير منقول أو منسوخ هو علامة أخرى على جودته وكفاءته…
بعد كل الذي تقدم، هل يصح إطلاق كلمة ” مدون ” على كل من هب ودب من الناس وخصوصا أولئك الذين سولت لهم أنفسهم الاختباء تحت مظلة التدوين وهم مقتنعين جدا بأنهم لا علاقة لهم به سوى أنهم اتخذوه مطية لنفث سمومهم بكسر كل الحدود واختراق كل الحواجز حت إذا ما تمت مساءلتهم قضائيا على سوء فعلهم لم يتأخروا في شهر سلاح التدوين وحرية التعبير وهم خارج نطاقه وبعيدين تمام البعد عن عالمه ودواليبه؟؟؟
























