حوار مع الشاعر أحمد الطود / حاورته : أسماء التمالح

أحمد الطود، شاعر مغربي سعيد بالسكنى في جنة الشعر، كانت بداياته رومانسية، غير أن عوامل كثيرة جعلته يوثر السير على أرض الواقع . الحب بنظره ماء ينبع صافيا عذبا نميرا، والمجتمع الذي يحصر تفكيره في الغذاء واللباس والسكن والسيارة، ولا يفكر في عواطف أبنائه وبناته هو مجتمع مأزوم في رأيه.
في هذا الحوار، يحدثنا الشاعر أحمد الطود عن تصوراته حول عدة قضايا : كالتعليم، واللغة العربية، والشعر، ونزعة الرومانسية والواقعية وغيرها:

شكرا أستاذ أحمد الطود على تلبيتك الدعوة، ومرحبا بك ضيفا عزيزا في هذه الجلسة الحوارية . سؤالي الأول يدور حول مسارك المهني، معلوم أنك مارست مهنة التدريس لسنين طويلة، من منطلق تجربتك، ما هو انطباعك حول ما يحدث من توترات واختلالات بالمنظومة التعليمية؟

ــ التحقت بالتعليم وأنا في التاسعة عشرة من عمري، وغادرته وأنا في الستين ؛وهذا يعني أنني مارسته مدة إحدى وأربعين سنة ، يمكنني تقسيمها قافزا عمدا على كثير من التفاصيل رغم أنها غير مملة إلى مرحلتين : الأولى كنت فيها سعيدا لأنني كنت فيها مفيدا مستفيدا. أما الثانية ، فقد فقد حكم انحطاطه الفاجع إلى الهاوية عليّ وعلى كثير من زملائي بالتعاسة والشقاء.

في المرحلة الأولى كنت أشعر أنني أؤدي رسالة شريفة، تملؤني بغبطة غامرة هي بالضبط الغبطة التي يستشعرها من يزرع نباتا، وهو مطمئن إلى أنه سينمو ويزهر ويثمر . لكن المرحلة الثانية ، ونتيجة لاستشراء سرطان الفساد الذي هو ثمرة ناضجة لعوامل كثيرة متشابكة ومعقدة ؛ فقد تحول التعليم من مهنة إلى محنة لا يطيقها رغم أنها لا تطاق إلا من أوتوا صبر أيوب
غادرت هذه المرحلة بانطباع شديد الإيلام، هو أن التعليم فسد حتى لا رجاء في شفائه من هذا الفساد الذي هو أخطر على المغرب من الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، وذلك لانعكاسه لا على الحاضر فقط بل على المستقبل .. مستقبل المغرب.
شخصيا..

أرى أن أولي الأمر في وزارة التربية الوطنية، هم من يتحمل مسؤولية هذا الانحطاط الفظيع الذي أفرغ العملية التربوية من مضمونها النبيل .. لقد ضربوا عرض الحائط بكل المقترحات البناءة التي تمخضت عنها مجالس التشاور والتنسيق ومنتدى الإصلاح والجودة ليصلوا سريعا إلى ما دعوه بمدرسة النجاح كشعار أجوف لذر الرماد في العيون ، فيما تؤكد القرائن أن شهادة الباكلوريا ليست كما قال الأستاذ عبد الله الدامون سوى شيك بدون رصيد عند الغالبية العظمى من حملتها.

وإذا كنت أحمل وزارة التربية الوطنية مسؤولية ما آل إليه التعليم، فهذا لا يبرئ أطرافا أخرى كالسياسة العامة التي تنعت دوما زورا وبهتانا بالرشيدة للحكومات المتعاقبة ، والاعلام كجزء من تلك السياسة مساهم بفعالية في انهيار القيم النبيلة داخل الأسر والمجتمع عموما . ولا أنسى أولئك المجرمين الذين يبيعون النقط لتلاميذهم عن طريق ما يسمى بالسوايع الخصوصية.

 تضطرب الحالة النفسية للمرء بشكل عام كلما اقترب من موعد مغادرة العمل وبلوغه سن التقاعد. كيف استقبل أحمد الطود حياة احالته على التقاعد؟ وهل استطاع التأقلم معها ؟

ــ التقاعد أشعرني بما يمكن تسميته بالراحة غير المريحة هو راحة لأنني تخلصت به من صدامات متكررة مع بعض المديرين، الذين جعلهم جلوسهم على كرسي الادارة يمتصون غازات سامة ويصابون بأورام نفسية خبيثة، فانتفخوا بالخواء والغباء الذي أوهمهم أنهم سادة والأساتذة خدم، متجاهلين عمدا أن دورهم هو خدمة الأستاذ والتلميذ، بتوفير الشروط الضرورية للسير الطبيعي للعملية التربوية . وهو أيضا راحة من شعوري بأنني في المرحلة الأخيرة انما كنت أصب الماء في الرمل، وأن جهودي كانت تذهب سدى مع نسبة كبيرة من التلاميذ الذين فقدوا الرغبة في التعلم، نتيجة انشغال أوليائهم عنهم وتكرار انتقالهم من مستوى الى آخر بمعدلات متدنية حسب مقتضيات الخريطة المدرسية .

لكن التقاعد من وجهه الآخر غير مريح ، لأن من تعود أن يعمل لا يمكن أن يرتاح إن وجد نفسه لا يعمل . وتوخيا مني للراحة بالعمل، أسرق من وقتي لحظات أقرأ فيها بوعي جديد بعض الأعمال التي سبق لي أن قرأتها ، ولحظات أخرى أنقح فيها بعض نصوصي القديمة ، وأنتظر الغيوم الملبدة في داخلي أن تتهاطل بما أحلم به من أشعار.

 تزور مدينة القصر الكبير من حين لآخر على اعتبار أنها المدينة الأم ومحط أقوى الذكريات لديك. ما الذي تخلفه كل زيارة في نفسية أحمد الطود ؟

ــ حكمت علي ظروف الدراسة والعمل بمغادرة القصر الكبير وأنا في السادسة عشرة من عمري ، فتنقلت بين عدة مدن : تطوان – بني ملال – تيفلت -الرباط – الجديدة – الدار البيضاء ، إلى أن أمسك بتلابيبي رجال البلاد في سلا منذ أكتوبر 1977.
هكذا عشت أكثر سنوات عمري خارج القصر الكبير التي تبقى وحدها مدينتي .. فيها ولدت، وترعرعت، ودرست، وأحببت، وفرحت، وحزنت، وذقت من الحياة حلوها ومرها ؛ من مائها ارتويت ، ومن تربتها تغذيت ، وفي حواريها لعبت وتسكعت ، وبمسك ليلها انتشيت ، وفي نهرها لوكوس تعلمت السباحة .

فيها أصدقاء طفولتي الذين معهم تشيطنت و تربطنا ببعضنا البعض المحبة الخالصة ؛ باختصار القصر الكبير هي المدينة التي لم أشعر في يوم من الأيام بالانتماء إلا إليها، وهذا الانتماء انتقل مني بالعدوى إلى أولادي الذين لم يولد أي منهم فيها .

أزورها باستمرار مدفوعا بحنين جارف ، وأغادرها بعد كل زيارة ونفسي مثقلة بالآلام التي لابد أن يشعر بها كل من يعرف أنها كانت مدينة صغيرة جميلة آمنة مطمئنة ، فصارت على ما هي عليه من فوضى وبشاعة واتساخ وانعدام للأمن… أشعر كلما زرتها وهي على ما هي عليه الآن أنني أزور قبرا كبيرا، مهملا منسيا دُفنت فيه المدينة التي مازالت حية في ذاكرتي ووجداني .

 ما هو الشعر ؟ ومن هو الشاعر الحقيقي؟ وما هي أقرب قصيدة الى قلبك ؟

ــ أعترف أنني لا أعرف ما هو الشعر .. تماما كما لاأعرف ما هو العطر، وما هي اللذة، وما الألم والدهشة والغبطة . محاولات تعريف الشعر منذ أرسطو أكثر من أن تحصى، ومع كثرتها وتنوعها لم تزد عن أنها اقتربت منه ودارت حوله، لتبقى عاجزة عن تعريفه التعريف الجامع المانع، وليبقى الشعر في النهاية كائنا ممتنعا مستعصيا متأبيا محتفظا بسره في ذاته . أجده مخبوءا في لغة القصائد، ومع ذلك لا أستطيع القول انه لغة، لأن اللغة ليست شعرا.

فهل هو الدبيب الذي يسري في نفس قارئه ليشعره أنه واقع تحت تأثير سحر ساحر ؟
هل هو روح الشاعر وقد ذابت في كلمات ؟
هل هو نتاج تمثله الخاص لما يراه ويحسه ويفكر فيه ؟
هل هو ما ينجم عن عناق حار يصهر وعي الشاعر وحساسيته وخياله ومهارته في الصياغة ؟
هل هو شعاع غير مرئي يدسه الشاعر في وعاء القصيدة ليصيب المتلقي بالانبهار والذهول ؟
هل هو سر الأسرار الذي لا ينكشف بكشفها ؟

لست وحدي من يجهل ما هو الشعر ، فجميع الشعراء وخاصة الكبار الذين ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس بشعرهم لم يستطع أحد منهم أن يخبرنا بحقيقته واكتفوا بالدعاء أن تبقى ناره متوهجة في أرواحهم ، كاوية جباههم وأصابعهم.

أذكر بالمناسبة أن الشاعر الإسباني ” بيكر ” حين ألقت عليه إحدى جميلات مدينته إشبيلية السؤال : ما هو الشعر ؟ ؛ لم يجد لمداراتها هروبا من الجواب المستحيل عن سؤالها المفاجئ، سوى أن ينشدها هذه القصيدة الصغيرة الجميلة:
ما هو الشعر ؟
تسألينني وأنت تحدقين
بعينيك الزرقاوين في عيني
ما هو الشعر ؟
أأنت التي تسألين ؟
الشعر هو أنت

أما من هو الشاعر الحقيقي؟ إنه بالتأكيد الذي يكتب القصيدة التي تنفذ إلى أعماق قارئها بجمالها، وجلالها وكمالها لتفتنه وتسحره.
ما أكثر القصائد التي دوختني بفتنتها وسحرها.

هل تفكر مستقبلا في أن تجرب جنسا أدبيا آخر غير الشعر ؟

ــ أبدا .. لم أفكر في التحول إلى أي جنس أدبي آخر ، لأنني سعيد بالسكنى في جنة الشعر.

كيف للشاعر أن يزاوج بين الرومانسية والواقعية ؟

ــ سأل الناقد غالي شكري الدكتور طه حسين عن جذور الرومانتيكية في بعض رواياته ، فأجابه طه حسين متسائلا :” أليست هناك الواقعية التي تفهمونها وتحبونها ؟ قد يؤدي بكم شغفكم بالتصنيف إلى وصفها بالواقعية الرومانتيكية” ، ثم استطرد طه حسين سائلا غالي شكري : “لم أذكر لك شيكسبير ، أين تضعه ؟ هل هو كلاسيكي أم رومانتيكي أم واقعي ؟ أجيبك : انه كل ذلك”.

في كل مبدع بل في كل انسان شيء من الرومانسية والواقعية وغيرهما من النزعات .
حين يفرح شاعر بلقاء حبيبته رغم الحواجز والموانع يكون واقعيا ، وحين يرغب في الهرب بها من ضغوط مجتمعه للسكنى بعيدا في القمر، يكون رومانسيا.

الرومانسية وخاصة في مرحلة المراهقة، هي الحلم الذي يعوض به الإنسان ما يفتقده في واقعه المرير، إنها واقع غير متحقق ، أو لا يتحقق ، يصطنعه اصطناعا تعويضا عما يفتقر إليه ، وتلبية وهمية لحاجات ملحة لديه.
حتى الفلاسفة لم يسلموا رغم تأليههم للعقل من التفكير الرومانسي ، وإلا كيف نفسر جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة ؟

المذاهب الأدبية ليست إقامات جبرية، والشاعر أو المبدع عموما لا يحده حد، ولا يقف في وجهه سد حائل بينه وبين اختياره للمدرسة التي يرتاح إليها، لا أملك إحصاء دقيقا ولكنني أرجح أن معظم المبدعين غلبت الرومانسية على محاولاتهم الأولى. ومع تقدم المبدع في السن ونمو رصيده الثقافي، وتوغله في بحر الإبداع وتأثره بأعمال غيره من المبدعين ، قد يعتنق من حيث يدري أو لا يدري مذهبا آخر، وقد يظهر في نتاجه أكثر من مذهب، وقد ينتقل عامدا متعمدا من مدرسة إلى أخرى كما فعل توفيق الحكيم الذي جرب في كل مسرحية من مسرحياته مذهبا فنيا من المذاهب الكثيرة؛ فرحل من الرومانسية إلى الرمزية إلى الفن للفن إلى الخيال العلمي ، وما كاد يضع قدميه على أرض الواقعية حتى ارتفع عنها إلى السوريالية … وهكذا جرب في ربع قرن ما قطعته أروبا في ثلاثة قرون .

وإذا كان نجيب محفوظ قد حصر نفسه في مختبر الواقعية بدلا من الترحال الذي غلب على الحكيم ، فقد جرب هو الآخر كل التيارات الواقعية فانتقل من الواقعية التاريخية، إلى الواقعية الاجتماعية، إلى الواقعية الرمزية، إلى الواقعية الأسطورية، إلى الواقعية السوريالية… وهكذا جرب كل التيارات الواقعية التي استغرق إنجازها في أوروبا قرنا من الزمن .

والشاعر الكبير أحمد شوقي الذي حمل لواء الكلاسيكية بعد البارودي لم تخل كلاسيكيته من رومانسية جعلته يبعث بتحية شعرية إلى مجلة أبوللو التي كانت ملتقى الرومانسيين .. ثم ألم يكن شوقي رمزيا في الحكايات الشعرية التي صاغها على ألسنة الحيوانات ؟؟

شخصيا كانت بدايتي رومانسية بدون شك ، لكن عوامل كثيرة جعلتني أوثر السير على أرض الواقع لأراه بعين يقظة بعد أن كنت أراه بعين الحالم؛ ولأنني لم أنزل إلى الواقع كجلمود صخر حطه السيل من عل، فقد بقيت إلى حين موزعا بين رومانسيتي وواقعيتي ، وكان لابد لديواني الأول أن يرصد توزعي بينهما .

الحب عاطفة انسانية نبيلة وسامية مثلما ذكرت في احدى الحوارات لك، ألا ترى أن هذه العاطفة قد شوهت في عصرنا الحالي؟

ــ الحب كالماء ينبع صافيا عذبا نميرا ، فإذا وضع في إناء قذر سرعان ما يتأثر ويتغير ويصير فاسدا ؛ هو كالطفل يولد جميلا بريئا سليما لكنه إذا ترعرع في مجتمع قبيح مريض مشوه لابد أن يأخذ منه التشوه كل مأخذ.
هناك مجتمعات وفرت للحب المناخ المناسب لحياته وسلامته وازدهاره ، وهناك مجتمعات قمعته واضطهدته وترصدت له بالخناجر والسموم لوأده كما كان الجاهليون يئدون بناتهم .

أهديت ديوانك الأول ” قصائد عن ليلى لم تنشر في ديوان قيس” الى العشاق المضطهدين وأيضا الى الذين يضطهدونهم . من هم العشاق المضطهدون برأيك؟ ولماذا شمل اهداؤك مضطهدي العشاق كذلك ؟

ــ “قصائد عن ليلى لم تنشر في ديوان قيس”، عنوان قصيدة عنونت به ديواني الأول بكامله، في تلك القصيدة تجاوزت النقل الحرفي لقصة العاشقين العربيين القديمين ” قيس وليلى”، وتصرفت فيها لأجسد الصراع بين الحب والقيم الاجتماعية السائدة في عصرهما بل وفي كل عصر.

قيس في قصيدتي ليس كما هو في القصة القديمة ذلك المستسلم لحكم مجتمعه الظالم بحرمانه من حبيبته ، المكتفي بالهيام بها حتى الجنون ؛ بل هو عندي عاقل مناضل يواجه مجتمعه مطالبا بحقه في الحب ليكتشف أن الضربة القاصمة لظهره إنما جاءته من ليلى التي تقاعست عن نصرته بالاشتراك معه في المواجهة والصراع ، واختارت الانصياع لأعراف المجتمع وتقاليده ، لتبقى منشطرة بين حبيب شاعر بعيد عنها ، ورجل غني غريب تعيش معه تحت سقف واحد؛ وهي بهذا الاختيارتتحول تلقائيا إلى امرأة انتهازية.

قيس إذاً هو ضحية اضطهاد الحب ، وليلى هي انتصار الاضطهاد على الحب ؛ ولهذا أهديت ديواني الأول إلى العشاق المضطهَدين تضامنا مني مع أمثال قيس في كل عصر ؛ وأيضا إلى الذين يضطهدونهم احتجاجا مني على كل مجتمع يقتل الحب.

تعاتب المجتمع على قسوته في التعامل مع المحبين، ألا ترى أن هذه القسوة تشكل أحيانا رادعا ايجابيا لمشكلات يمكن أن تحصل بين طرفي علاقة الحب ؟

ــ هل أدت قسوة المجتمع في معاملة المحبين إلى سلامته من المشاكل؟ أم أن تلك المشاكل إنما نجمت عن تلك القسوة؟…إذاً كيف لي أن أضفي الشرعية على سلوك سقيم يصدر عن مجتمع غير سليم؟
الحب ليس رذيلة ، بل هو فضيلة الفضائل .. هو أجمل العواطف، وهو سر أودعه الله الإنسان لتكتمل به إنسانيته وتسمو ..إنه البذل والعطاء والتضحية والرحمة ونكران الذات ونشدان الخير والجمال.

المشاكل لا تحدث بسبب الحب ، ولكنها تحدث بسبب الأنانية والطمع والجشع والحقد والجهل والرياء والنفاق والقهر الاجتماعي وانهيار القيم النبيلة، والمجتمع الذي يحصر تفكيره في الغذاء واللباس والسكن والسيارة … ولا يفكر اطلاقا في أن عواطف أبنائه وبناته تستحق منه الرعاية والاهتمام هو بكل تأكيد مجتمع مأزوم يعاني انفصاما مرضيا خطيرا.

ما الذي غير نبرة صوت الشاعر الطود في قصائده الأخيرة؟

ــ عندما كنت محلقا في سماء الرومانسية كنت أعرف أنني من أبناء الأرض ولست كائنا سماويا ؛ ورغم أن التحليق كان لذيذا في تلك المرحلة ، إلا أنه لم يستطع التغلب على جاذبية الأرض التي أيقظتني من أحلام رومانسيتي بما على تضاريسها من تدافع وصراع ، وما في أجوائها من عواصف وأعاصير. على الأرض وجدت الجمال فأحببته، ووجدت القبح فكرهته، وجدت الانسان يكدح كدحا من أجل لقمته وكرامته في حياته، ومن حوله حيوانات من جنسه متوحشة مستعدة أبدا لافتراسه وامتصاص دمه .

وجدت الخير يصارع صراعا مريرا حتى لا يبتلعه الشر، ووجدت العدل خائفا واجفا أمام جبروت الظلم والقهر ، وجدت السياسة مستنقع نجاسة .. والأحزاب مجتمعات كذابين نصابين لعابين بعقول البسطاء الجهلاء البلداء .

على الأرض وجدت الإمبريالية بكل أصنافها تجليا عمليا للآية الكريمة : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى .. ووجدت إسرائيل سرطانا في الخريطة العربية وفي نفوس الحكام العرب الجبناء الذين يحاولون نقله بالعدوى إلى شعوبهم التي لا يمكن أن تبقى عزيزة عليهم إلا بسَجنها في الأمية والجهل.

وجدت أشياء كثيرة .. كثيرة جدا ، وحين وعيتها تمام الوعي لم أتمالك نفسي من أن أرفع يدي وصوتي احتجاجا . وهذا كل ما في وسعي .
هل عرفت الآن ما الذي غير نبرة صوتي في قصائدي الأخيرة ؟

تفقد اللغة العربية رونقها يوما بعد يوم وقد انجرف أغلبية الناس مع تيار العولمة . ما وصيتك لأهل لغة الضاد ؟

اللغة العربية ضحية العجز العربي الناتج عن استبداد الحكام العرب بشعوبهم وإغراقهم إياها في الجهل والأمية والفقر والظلم والتبعية بكل أصنافها ، وتغييبهم للديموقراطية وامتثالهم للإملاءات الأجنبية . إنها باختصار ضحية الاستعمار الذي قبل خروجه من بعض أراضينا وليس منها جميعا ، أوصى خدامه وخلفاءه بالعمل الدؤوب على استمرار غزوه الثقافي لنا ودوام استلابنا.

إن كنت أملك نصيحة فما نفعها ؟ومن سيعمل بها ؟
أفضل بدل إسدائها أن أقرأ الدعاء الناصري : يا من إلى رحمته المفر… الخ .

ماهي مشاريعك الأدبية المستقبلية ؟

ــ قبل شهور صدر الجزء الثاني من حنظلياتي بعنوان فرعي هو : على أمل أن يكون انفجار. هذا الديوان مازال حاملا عصا التسيار شاقا طريقه نحو قرائه .
حاليا لا أفكر في أي مشروع أدبي .. ربما فكرت فيه بعد حين .

كلمتك الختامية ؟

ــ أدين بالشكر الجزيل لمدونة أسماء التمالح على هذه الاستضافة ، وعلى تفضلها في السابق بنشر بعض قصائدي . لها ، ولكل قرائها أجمل تحياتي .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *