” ابك علي وأنا حي أما وقد مت فبكاؤك خسارة” عبارة معروفة متداولة بين الناس، يستشهد بها كل من لايجد حبيبا أوصديقا في صفه وقت الحاجة ووقت المعاناة والضيق، وعندما يوفى أجله تتعالى الأصوات بالبكاء عليه وكأنه ليس هو نفسه الذي كان بالأمس القريب بينهم في الدنيا لا يبالي به أحد.
كثير من الأصدقاء ودعوا الحياة وفي قلوبهم حسرة وألم تجاهل الغير، و عدم السؤال عن أحوالهم من طرف أصدقائهم المقربين والبعيدين رغم توفر كل وسائل الاتصال التقليدي منه والتكنولوجي المتطور.
قضوا نحبهم يتجرعون مرارة النكران وقسوة القلوب وانشغال النفوس عنهم، كانوا يتمنون لو أن صديقا واحدا من بين العشرات والمئات الذين يعرفونهم يتفقدونهم، ويطيب خاطرهم بالسؤال فقط، ليرتووا روحيا ويقروا بأن الدنيا ما زالت بخير، ومازال بها من يقدر معنى الصداقة ويخلص لمعناها ويعطيها حقها من الوفاء، لكنه لم يحدث مع الأسف.
كم من صديق انتهت به الحياة وحيدا بعدما عاش جزءا مهما من حياته محفوفا بالأصدقاء، وعندما خانته صحته أو اضطرته ظروفه الشخصية للانعزال لم يبحث عنه أحد، ولم يكلف أحد نفسه عناء الاستفسار عن سبب غيابه، وعومل كأن لم يكن من الأصل، وعندما شاع خبر نعيه تسابق المتباكون لإعلان فجعهم فيه والتعبير عن صدمتهم لتسليمه الروح لبارئها، والواقع لو أنهم أصدقاء حقيقيون لكانوا على علم بسوء أحواله من البداية، ولكثفوا الجهود للوقوف بجانبه لتجاوز المحنة وهو على قيد الحياة تخفيفا من حدتها لا تغييرا لقضاء الله طبعا.
أذكر رجلا عاش أواخر حياته كالمنبوذ وقد تخلى عنه جميع الأصدقاء، كان يقضي الوقت كله في غرفته يتمنى لو رفيقا يفاجئه بزيارة ويجالسه لدقائق ويتحدث إليه. من حسن حظه كان زميل عمل كلما مر بييته طرق الباب طالبا رؤيته والاطمئنان عليه، وفي كل لقاء كان الرجل يذكر الزائر أنه الوحيد الذي ظل وفيا لرابطة الزمالة والصداقة في وقت باع الباقون كل اللحظات التي قضوها جنبا إل جنب طوال السنوات الماضيات.
فارق الرجل الحياة، وإذا بالأصدقاء المتباكين يتصدرون الواجهة معلنين أسفهم على رحيله، وفيم ينفع الأسف الآن ؟؟
لطالما تمنى الفقيد هذه اللحظة في حياته ولم تتحقق، فيم فادت أفواج الوافدين بغزارة على المقبرة لتشييع جثمانه وقد كان البارحة حيا يرزق ولم يخط أحد خطوات نحوه ليبدد حزنه ويعوضه فرحا وابتساما.
قد يتحجج البعض بضيق الوقت وتناسل الانشغالات، إلا أن الوقت الذي سمح بالقدوم لتقديم العزاء أو المرافقة عند التشييع أو برفع سماعة الهاتف للمواساة هو نفس الوقت الذي كان متاحا في السابق مع اختلاف ظروف الاستغلال، ولكن الناس يتفرغون الوقت الذي يشاؤون ويتظاهرون بالانشغال الأوقات التي يريدون.
الواقع أن الأصدقاء الأموات يصبحون برحيلهم في غنى عن أي تباك، وعن أي مديح وثناء أوإطراء، وإن كانوا في حاجة ماسة إلى الدعاء فإنهم يريدونه صادقا خالصا لوجه الله، لا مصطنعا عابرا تتقمص فيه الأدوار لجذب الأنظار.
نحتاج فعليا لتغيير سلوكات عدة، منها سلوك التباكي على الأصدقاء الراحلين الذي بات يثير الاشمئزاز بسبب التخلي عنهم قيد الحياة، وتذكرهم فقط عند الوفاة حيث لا مجال بقي لعقد لقاءات ولتجديد صداقات معهم، ومن يدري ؟ ربما كان ضرر ابتعاد الأصدقاء والرفقاء عنهم في حياتهم هو القطرة التي أفاضت الكأس وضاعفت حجم معاناتهم فكان تأثيرها السلبي في نفسياتهم المكلومة.
























