أديب ليس أيقونةً (شهادة في حق مصطفى يعلى)* / بقلم: د. محمد أنقار

بمجرد ما فكرت في كتابة شهادة في حق الصديق مصطفى يعلى خطر لي عنوان: “أديب ليس أيقونة”. فحوى العنوان أن يعلى ليس من صنف أولئك المثقفين الذين تكاثروا في زمننا كالفقاعات وغدا الناس يمتدحونهم كما لو كانوا أيقونات تعبد. أولئك الذين يلهثون وراء الشهرة والمصالح المادية والبريق الكاذب.

في سنة 1966 كنا طلبة في كلية الآداب بفاس. جمعنا الحي الجامعي بظهر المهراز مثلما استقطب مجموعاتٍ من الطلبة الوافدين من مختلف المدن والجهات المغربية. كل مجموعة تحاول أن تتماسك فيما بينها وتتكتل بدرجة تثير انتباه باقي القاطنين: مجموعة مراكش.. مجموعة الدار البيضاء.. مجوعة وجدة.. مجموعة تطوان.. مجموعة القصر الكبير.. مجموعة الناضور والحسيمة.. مجموعة شفشاون.. مجموعة العرائش وأصيلا مجموعة سوس. وهكذا دواليك مع باقي النواحي. وفي سياق إثارة الانتباه والبحث عن الخصائص لفتتني مجموعة القصر الكبير وقد ضمت طائفة من الشبان والشابات أتذكر من بينهم المرحوم محمد الخمار، ومحمد السدراوي، والمرحومة خديجة الجزولي، ومحمد العربي العسري، ونفيسة الناصري، ومصطفى الناصري، وحسن بنجلون، وعبد الواحد الجباري، ومصطفى يعلى وآخرين.

وبحكم حاستي الرصد والمراقبةِ من بعيدٍ أدخلتُ كل هؤلاء ضمن دائرة اهتمامي من دون أن أتجرأ على اقتحام حصنهم. لمست لديهم سمات المرح والنكتة وحب الحياة. وكنت معجباً بالشاعر محمد الخمار وقد كان يكبرنا سناً فتابعتُ إبداعه وحركاته ومغامراته واكتفيت بالتحية العابرة. ثم تمكن مني هوس الحصول على نص قصيدته “حبيبتي ” التي غناها عبد الوهاب الدكالي وتمنيت لو أظفر بكلماتها مكتوبة بخط يد الشاعر إمعاناً في طلب الدقة. لكني خجلت من هذه المهمة الميسورة ووسّطت لها صديقنا المشترك أبو بكر الريسوني. وسوّف الشاعر ولم تتحقق أمنيتي. وحتى بعد أن غدا الخمار صديقاً لم أتجرأ على إحراجه بطلبي الصغير. أما يعلى فلا أتذكر أني بادلته الحديث في تلك المرحلة الجامعية وإن كنت قد قرأت له قصصاً قصيرة في صفحة “أصوات” التي كانت تخصصها جريدة “العلم” للكتاب المبتدئين مثلي ومثله.

إثر تخرجي في كلية الآداب عينتُ سنة 1967 أستاذاً بثانوية التقدم بالقنيطرة صحبة الصديقين محمد السولامي ومحمد المصباحي. وبعد موسم دراسي واحد التحق بنا مصطفى يعلى. ومنذ شهر أكتوبر من نفس السنة توطدت علاقتنا المتينة وامتدت إلى يومنا هذا. كيف حصل التوافق والانسجام؟. لست أدري. ما أتذكره من سمات البداية أن مصطفى كان شاباً مرحاً يقبل على الحياة والأدب بنفس الحماس. كانت بدايةً تلقائية من دون حسابات مسبقة. وأفترض أنها بسبب ذلك عمرت على ما يزيد عن الأربعين سنة حتى غدت صداقة العمر.

عندما جمعتنا ثانوية التقدم الحرة انتقلنا طفرة واحدة من مرحلة التعارف الخارجي إلى ما هو حميم. كنا في البداية أربعة: محمد السولامي، والمرحوم محمد المكي المرابط، ويعلى، وأنا. ثم انضاف إلينا بعد وقت قصير الصديق مَحمد الدامون. هؤلاء هم الأصدقاء الرئيسون. وكان ثمة آخرون يوسعون الدائرة أحياناً، يظهرون ويختفون بوتيرة غير منتظمة. والواقع أننا لم نمارس الصداقة في إطار عملنا فحسب وإنما تجاوزناها إلى الأمور الشخصية فتقاسمنا كل ما يمكن أن يخطر على بال فئة هي في ريعان الشباب. تبادلنا الزيارات اليومية. مارسنا الثقافة. قمنا برحلات مشتركة. أكلنا سوياً.. لعبنا معاً الورق وكرة القدم في غابة مهدية وقد كانت شبه خلاء. وانقضت سبع سنوات لا نكاد نفترق إلا عندما تحل العطل فأضطر حينذاك إلى السفر إلى تطوان.

صادفتْ تجربةُ صداقتنا أننا كنا جميعاً في ريعان الشباب. نواجه صعوبات الدنيا بالنكتة والمغامرات، ونعالج بالبوح والانفتاح بعض العقد التي جررناها معنا من مرحلة الطفولة. كما كنا نستمتع أيضاً بتقاسم هموم الثقافة ونبحث عما هو مشترك بيننا من اهتمامات أدبية وفنية. ومما لاحظته في هذا المضمار التشابه الكبير بين سمات القصر الكبير من حيث جاء يعلى وحارة “باريو مالقه” التطوابية التي جئت منها. وإضافة إلى القرب النسبي بين المدينتين كانتا كذلك خاضعتين للاستعمار الإسباني فيما مضى. ثم هناك الطوابع الشعبية السائدة في الموضعين. والنتيجة اتساق لغة الحوار النفسي والأدبي القائم فيما بيننا وتشابه مصطلحاتها ومراميها. كان يعلى يحدثني عن سينما ومسرح “بينيطو برث گالدوث” بالقصر الكبير كأنه يحدثني عن سينما “فيكتوريا” في حارة “باريو مالقه”.

وحينما يتحدث عن كنطينفلاس أو جون واين أو ساره مونطييل أستحضر في نفس الآن وجوهاً لي بها سابق معرفة. وقل الأمر نفسه عن التهامي الوزاني، ومحمد الخضر الريسوني، وعبد الله العمراني، وبلاثكو إيبانيث وبيكر، ولوركا وغيرهم من الكتاب المغاربة والإسبان.

ولقد شدني إلى يعلى في تلك الفترة ولعه بكتابة القصة القصيرة ونشرها وقراءة الرواية مثلما كنت واقعاً بدوري في ولعهما. في أواخر الستينات كانت الشوارع الجديدة بالقنيطرة قليلة المارة والسيارات. كان ذلك يغرينا بقضاء الساعات الطوال في المشى باطمئنان وتوأدة وتبادل نقد القصص التي نكتبها واستحضار أعلام القصة والرواية العرب والعالميين. نجيب محفوظ. يوسف إدريس. إرنست همنغواي. أنطوان تشيكوف. غي دي موباسان. وليم فولكنر. ثربانطيس. أُو هنري. كَميلو خوصي ثِلا. وفي الرصيف المقابل لمقهى الأروقة حيث نجلس في الأمسيات كان ثمة بائع الكتب القديمة المحاذي لبائع الإسفنج بالسكر المعروف ب”بِـيـنْـيِ”.

كان صاحب الإسفنج رجلاً قصير القامة، يلبس البياض، مفعماً بسمات الطيبوبة. ولست أ دري كيف اختلطت لدي تلك السمات بكشك بائع الكتب المجاور الذي نتوقف إزاءه ونقلب كتبه المؤلفة معظمها باللغة الفرنسية. نبحث عن الروائع المنشورة في سلسلة الجيب المعروفة ب Livre de poche. من هناك اقتنينا كتبا لفرجينيا وولف، وهنري بربوس، ود. ه. لورنس. حتى إذا ما نزل الظلام قصدنا إحدى قاعات السينما كي نستمتع بلون فني آخر: قاعة طنگرا الفاخرة، أو قاعة بلاس أوفنطازيو وكلها أماكن اندثرت وبقيت أحلامها.

خلال زياراتي لغرفة يعلى اكتشفت ولعه الشديد بالنظام والتوثيق والإذاعة والموسيقى. وفي عديد من الجلسات الحميمة كان يُسمعنا تسجيلات نادرة التقطها من إذاعات عربية وغربية. سينفونيات ومسرحيات وبرامج بالعربية والإسبانية. في تلك الجلسات تسللت إلى كياننا لوثة تحليل روائع الموسيقى الكلاسية. لم نكن نمارس هذا الفن عزفاً فاستعنا على تحليله وتذوقه بالمراجع المصرية والأجنبية، وكذا بالبرنامج الإذاعي “الكلاسيات الشهيرة Clàsicos populares” الذي كان يُبث عبر الإذاعة الوطنية من مدريد. ولقد سيطر علينا هوس فهم مضامين السينفونيات واكتشاف طرائق بنائها. كما سيطر علينا مدة طويلة احتمال وجود علاقة وطيدة ومبهمة في نفس الآن بين البناء السنفوني والبناء الروائي.

في سنة 1974 انتقلت إلى العمل في تطوان وعولنا على المراسلة الغزيرة من أجل ضمان استمرار التواصل. ومن حسن حظ صداقتنا أن يعلى تزوج من تطوان فضمنتُ لقاءه أثناء العطل. خلال ذلك كنا نلتقي في الأمسيات وننخرط في مناقشة النصوص الروائية ونشرّحها تشريحاً. كما كنا نخوض في أحاديث نقدية دقيقة لها صلة بالرسالتين أوالأطروحتين اللتين كنا نهيؤهما في مرحلة زمنية مشتركة. وفضلاً عن ذلك كنا نقضي الساعات الطوال في المكتبة العامة بتطوان من أجل نفس الغاية الأكاديمية.
كنت قد انقطعت عن نشر قصصي القصيرة منذ سنة 1969. أما يعلى فقد استمر في الميدان ينشر تباعاً في مختلف المنابر العربية والمغربية ونُخضع قصصه للنقد والمناقشة أثناء لقاءاتنا أو بالمراسلة. وما زلت أحتفظ بعديد من الرسائل والكتابات التي تترجم حيويتنا الأدبية في تلك المرحلة. ولم يفتر يعلى عن دعوتي وتحميسي كي أعود من جديد إلى النشر. ربما كان الوحيد من كل الذين أعرفهم الذي أغراني بذلك..

في أثناء إقامتنا بالقنيطرة كنا نسافر إلى فاس في سيارة يعلى صحبة الصديق محمد السولامي من أجل تحضير شهادة استكمال الدروس التي لنا معها حكايات طويلة لا يسمح المقام بسردها الآن. لكن أهم ما استفدناه من تلك التجربة اجتماعاتنا اليومية قصد الإعداد الجدي للشهادة المذكورة. نلتقي في داري بعمارة المرنيسي بالخبازات. هناك شرّحنا في موسمٍ نصوصَ الشعر العباسي وفي موسم آخر الروايات المغربية وكتاب النقد الذاتي لعلال الفاسي. ندرُس ونوثق ونسجل. وبعد جهد مضن قيل لنل إن السنة بيضاء فلم نذهب إلى الامتحان.

عرفت يعلى كاتباً للقصة القصيرة بامتياز مثلما عرفته رجلاً يرفض الشهرة والظهور المجاني بمناسبة أو من دون مناسبة. ولعل هذه واحدة من أبرز سماته في ممارساته الثقافية والإبداعية. هو رجل يعشق الجلسة الفريدة من أجل القراءة والتأمل. يزورُّ عن التجمعات والتظاهرات الكثيفة، ولا يجد ذاته في المديح الزائف والإطراء الكاذب. كأنه وطد نفسه منذ البدء على أداء الرسالة في صمت بعيداً عن الأضواء. وكم ناجيت نفسي قائلاً إن مصطفى يعلى ليس أيقونة تعبد في حقل الثقافة المغربية المعاصرة. بل هو رجل الصراحة والمثابرة والعمل في الظل.

تلك شهادة موجزة في حق واحد من أصدقاء العمر الدكتور مصطفى يعلى. أقول موجزة لأن ذكرياتي معه طويلة وممتدة تحتاج إلى كتاب كي يجمعها. ذكريات في القنيطرة، والرباط، والدار البيضاء، وتطوان، وفاس. ذكريات الشباب والكهولة والشيخوخة. ذكريات التعلم والتعليم الثانوي والجامعي. ذكريات الأزمات المادية وأيام الستر. ذكريات الفتوة والحب والسفر. ذكريات القراءة والإبداع. وأعترف بأني لم أفكر بعد في تسجيل كل التفاصيل لأننا ما زلنا نعيشها في لقاء يكاد يكون يومياً عبر الهاتف أوالبريد الإلكتروني. إني أخاف إن جلست من أجل تسجيلها أن تطير وتنتفي متعتها. يكفي أن أدعو ربنا كي يمتع الأديب مصطفى يعلى بالعافية وطول العمر.

لتهنأ أيها الصديق العزيز بهذا التكريم اللطيف الذي سيحفزك على المزيد من العطاء، وكأني أستشعر أن أوان الفيض الإبداعي قد حان. وشكراً لمن أسهم في تنظيم هذا الاحتفال من قريب أو بعيد خاصة الفنان محمد البوكيلي الذي يسحرني نشاطه وحيويته حتى وإن لم تتح لي فرصة التعرف إليه شخصياً.

والسلام عليكم ورحمة الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شهادة ألقيت خلال حفل تكريم الدكتور مصطفى يعلى من لدن مؤسسة محمد البوكيلي: إبداع وتواصل، بالقنيطرة، يوم السبت 23 يناير 2010 .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *