مجتمع الأنا / بقلم : أسماء التمالح

كل يقول نفسي ، كل يبحث أين مصلحتي ، كل يردد : أنا وبعدي الطوفان . مجتمع فقد مقومات الحياة الاجتماعية المستقرة الآمنة ، الغني لا يعترف بحق الفقير ، و القوي لا يكترث لحال الضعيف ، وذو المسؤولية مترفع عنها لتواجده خارج دائرة من هم يعانون وآهاتهم مسترسلة، و التسابق نحو المقدمة بالطرق غير المشروعة آخذ مداه .

في مجتمع الأنا بسطت الأنانية نفوذها على الأفراد ، صار كل واحد منهم لا يفكر الا في نفسه ولا يشعر الا بها ولا يتصرف الا وفق ما يتناسب و انتفاعه الشخصي . كل فرد يركز اهتمامه على ذاته فحسب ، لا يهم أذية الغير ولا الحاق الضرر به ما دامت المصلحة الذاتية ستتحقق و الغرض الفردي سيقضى .

خصلة الإيثار اندثرت ، معالم الاحساس الراقي الذي يجلب السعادة الروحية انمحت ، الغيرة المحمودة بين الأفراد قتلت والأنا علا صوتها فداست على من سواها وحرمت الآخرين أشياءهم التي يمتلكونها وهي تنزعها منهم حتى وهي ليست في حاجة اليها ، فقط ارضاء لغرورها وكبريائها وتغذية لهواها ونرجسيتها .

حظ هذا المجتمع من كلمة * مجتمع * الاسم فقط ، فحق الجماعة فيه مهدور ، والاحساس بمعاناة الآخرين معدومة ، والاتحاد و التضامن من أجل صنع قرار أو بلورة فكرة تعود نتائجها بالايجابية على عموم الناس أضحى من المستحيلات .

مجتمع متفكك بنيانه غير متماسك ، تقطعت الروابط بين أفراده وتحولت العلاقة بينهم الى علاقة تنافسية بطابع شرس عوض علاقة تكاملية بصيغة سلمية الهدف منها السمو بالحياة الاجتماعية واقصاء الأنا المتمردة .

مجتمع هش ضعيف لم يعد يقوى على النهوض و مقاومة الركود ، العداء منتشر بين الناس ، الكذب و الحسد والكره و الخداع و الطمع و النصب وحب الصعود على أكتاف الغير و..و.. معيقات مصدرها حب الذات وتفضيلها على كل الكائنات ، وليست كل الأنا مذمومة ، بل هناك حد مسموح به طالما فيه احترام لوجود الغير وعناية بكينونته وأخذ بنصحه وتوجيهه وارشاده ، حد من خلاله تبرز شخصية الفرد الخاصة المستقلة عن البقية ، حد يمكن الفرد من تسلق سلم التميز في أسلوب التفكير و التصرف و المشاعر التي لا تضر بمصلحة الغير ولا تتطاول عليها بشكل أو بآخر .

فالقدر القليل من الأنانية مطلوب في حياتنا و التخلي عنه بصفة نهائية فيه انكار لحضورنا وفتح لباب التبعية و التقليد الأعمى الذي لا يجب ان يكون ، كما ان تجاوز الأنا لحدها الطبيعي يحولها الى معضلة يتحتم الاسراع لمعالجتها لكونها تؤطر الفرد في خانة معزولة عن اللآخرين لا يرى فيها الا ذاته ولايستمع الا لصوت نفسه ولا يقتنع الا بفكره الذي يفرضه على الآخرين كلما سنحت الفرصة معتقدا انه الصواب دائما وغيره المخطئون باستمرار .

فالانسان الأناني يرى كل من حوله عبيد وخدم عنده ، يغيب عنه انه لولا أولئك الذين يحتقرهم ويرميهم بالسخرية والاستهزاء ويكره مشاركتهم له الحياة ، لولاهم لمل وتعب وعجز عن القيام بأبسط الواجبات اتجاه ذاته التي يمنحها الكمال والكمال في الأصل لله تعالى تعالى وحده ، اذ قبل أن يستصغر الغير في أعينه كان عليه أن يستصغر نفسه ويجعلها تندمج مع الاخرين ليكونوا سويا خلية شبيهة بالشمعة التي تحرق نفسها في سبيل أن تنير الطريق لعموم الناس .

نخلص للقول الى أنه لا مكان للأفضلية المجانية بين أفراد مجتمعاتنا ، الأفضل فينا من يستخلص المفيد من آراء الجماعة ويأخذ بالأصلح له ولكل الناس في آن واحد وليس الأصلح لنفسه ويقف ، دون ان يصغي لهم ويستفيد من وجهات نظرهم في كل الظروف.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *