بين المادة والمصلحة .. ضاع الإنسان !! / بقلم : أسماء التمالح

الإسان .. هذه الكلمة التي تفيض رقيا، هذا الكائن البشري الذي عززه الله تعالى وكرمه، هذا المخلوق المفعم بأجمل المشاعر والأحاسيس، والذي ضاعت قيمته بين المادة والمصلحة، وأصبح لايساوي بينهما شيئا فيداس عليه بكل قسوة وعنف .

تحولت المادة ( المال) في عصرنا إلى غاية مرجوة بدل وسيلة لتحقيق المطالب، وصار الإنسان يقاس بما يملك، ويقدر يقدر ما يملك، ومتى قل ماله خف وزنه، وتخلى عنه الجميع. فالمال له ارتباط وثيق بالمصلحة، وكثيرون هم الذين يقدسونه ويقدسون المصلحة ويضحون بالإنسان، رغم أنه هو من يصنع المال ويأتي به، ورغم أن المصلحة تقضى على يديه، ورغم أنه هو الأصل والباقي مجرد تفاصيل صغيرة.

– في الزواج

أول ما تسأل عليه المرأة في عصرنا أحوالها المادية: هل تشتغل؟ كم تكسب؟ كيف توزع راتبها ؟ كم يتبقى لها بعد استخلاص المصاريف ؟ ..إن لم تكن امرأة عاملة فهي متجاوزة من البداية، حتى ولو كانت تتوفر فيها شروط أخرى أرفع وأثمن من الماديات، وإن كانت تشتغل فعليها الكشف عن أجرتها والتباحث بشأنها وهل ستغطي المتطلبات الزوجية المستقبلية صحبة الزوج أم لا، إن كانت تغطي فذاك هو المطلوب، وإن لم تكن دخلت دائرة المغضوب عليهن وتركت .

فلا الأصل الطيب يشفع لإتمام مشروع الزواج، ولا الشكل المقبول والخلق الحسن يفيان بالغرض، وحدها الأموال والمصالح تتضارب ويناقش حولها، وعلى أساسها يبنى الرضا والقبول بين الطرفين. نفس الشيء بالنسبة للرجل، الأغلبية تنظر إليه من الجانب المادي الصرف: هل يملك شقة؟ هل يملك سيارة ؟ ما أخبار رصيده البنكي ؟ … إن كان ‘ مرتاحا) ماديا فهو مرحب به حتى ولو كانت أمواله من حرام، وحتى إن كانت أخلاقه فاسدة، وحتى إن كان لادين له ولا عقيدة ولا ملة ولا أصل، يكفي أنه ميسور الحال ومعه ثروة، ويكفي أن المنفعة ستحقق دون شك.

– في الشغل

ما يعانيه الفقير للحصول على منصب عمل لايعانيه الغني، فالفقير عليه أن يجرب حظه مرات ومرات وينتظر طويلا فرصته في الحصول على شغل، قد تأتي هذه الفرصة وقد تضيع مع السنين وبالتالي يضيع معها مستقبله، أما الغني فبمجرد اتصال هاتفي أو تدخل مباشر أو غير مباشر من شخصية تربطه بها علاقة وطيدة يحصل على عمل، وبمجرد تسديد مبلغ مالي معين، أو قضاء مصلحة مرغوب فيها ينال مراده، ويجلس على أحسن كرسي بأفخم مكتب، وقد لا يعطى اعتبار للشواهد التي معه ومدى موافقتها للمنصب، هذا إذا اعتبرنا أنه حامل لها من الأصل.

في العلاقات العامة

يستثنى أصحاب الجيوب الفارغة من التقدير والاعتبار في المجالس واللقاءات العامة، ويكرم ويمجد أصحاب ” الشكارة” لا لشيء سوى أن معهم ثروات، فتجد الناس يهتفون بأساميهم ويتسابقون للتحية والسلام والظهور إلى جانبهم،وكأنهم بالالتصاق بجانبهم صاروا ذوي شأن وهمة، بينما الناس الطيبون العفيفون المستعفون يتركون على الحامش دون إدنى عناية. العجيب هو أن الفقراء ومتوسطيالحال من المحتاجين والضعفاء لايتقرب إليهم أحد بالعطايا والهدايا في المناسبات وبدون مناسبات، في حين يتم إغراق أصحاب الأموال والثروات بها رغم عدم حاجتهم إليها، فأي مفارقة هاته ؟ وبأي منطق تعمل هذه العقول التي تكرس لمثل هذه السلوكيات، أو ليس الفقراء أولى بالإحسان والإهتمام، أم أن الكلمة الأولى والأخيرة للمادة والمصلحة والهلاك والثبور للإنسان الذي هو إنسان فقط لا مال في جيبه ولا مصلحة ترجى منه ؟
بين المادة والمصلحة ضاع الإنسان، فماذا تبقى في الحياة بعد الذي ضيعناه ؟؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.