حوار مع أ. د. عبد الله بن عتو / حاورته : أسماء التمالح

“أدب الكرامات: من ميثاق الثقة الى خطاب التماهي”

مرحبا دكتور عبد الله بن عتو، جد سعداء باستضافتكم، وتقاسم فائدة الحديث معكم، في هذا اللقاء الحواري القيم. فباعتباركم ابن مدينة القصر الكبير، ماذا تحملون من انجذاب إلى هذه المدينة التاريخية؟ .

لا يستطيع أحد التخلص من سحر المكان الذي ولد فيه، لأن مسقط الرأس هو احد المحددات الرئيسة للوجود والبداية، الأمر إذن يتعلق بمكون انطولوجي صرف. ومدينة القصر الكبير أو نوفوم أوبيدوم هي المدينة التاريخ وعبق التاريخ وأسراره. واعتبر نفسي واحدا من المحظوظين الذين ينتمون بالدم والبنوة لهذه المدينة لأنها تتوفر عندي على جملة من عناصر الانجذاب إلى فضائها وهوائها ونسيمها.. وخاصة إلى مقاومتها وتحدياتها.. وعزيمتها التي لا تقهر.

في الستينات التي ولدت خلالها كانت صورة القصر الكبير تختلف كليا عن صورتها الحالية، حيث كانت الأزقة في باب الواد – وقد عشت في الطابية سنوات عدة – تتكئ بعضها على البعض وكأنها تزف لبعضها الأسرار والمعاني والأخبار. فأصبحت الآن تترحم على تلك الألفة المفتقدة بفعل الزحام والضوضاء والفوضى المعاصرة..

وكانت دور الشباب قوية النشاط والفرق المسرحية فعالة وتنشط على الصعيد الوطني، وقتها لم تكن في القصر الكبير أكثر من ثانوية وإعدادية ومعهد أصيل. وكان المنتزه الأسبوعي أيام الربيع الجميلة يمتلئ بالسكان عن آخره، يسجل لأهل هذه المدينة ارتباطهم الوثيق بالحياة وحبهم الفطري للجمال.. تماما كما كانوا يقبلون على صيف حار لا تهز الريح فيه غصن شجرة بفعل القيظ.. لا يبرده ولا يخمد تيار الغبار المتطاير فيها إلا رشات رجال المطافئ للمدينة عشية كل يوم..

فعنصر الانجذاب في القصر الكبير هو التاريخ الجميل الذي سجل للمدينة اتساعها لكل أبنائها، ولذلك فالقصر الكبير في كياني هو هذه الصورة التي ما زلت أعاند لكي تستمر فيَ، فبنيت منزلا قريبا للمكان/ الحي الذي قضيت فيه معظم شبيبتي، والذي أجئ إليه في كل العطل مع أببنائي، عسى أن يتسرب إليهم بعض الجرعات الطيبة من هذا الدواء الفعال: حب الأوطان من حب الله.

اعتبرتم اصغر أستاذ جامعي بالمغرب، لدى إلتحاقكم بسلك الوظيفة العمومية، للعمل استاذا مساعدا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، في شهر شتنبر 1986. هل أثر تقلدكم المسؤولية مبكرا على حياتكم بشكل أو بآخر؟

من الطبيعي والحالة تلك أن تحصل تغييرات جمة، ليس فقط في نمط العيش ولكن في نمط التفكير أساسا، وكان ذلك هو الأهم. ولعل من أهم ما أفدته من ذلك التغيير هو التفكير مبكرا في الاستقرار العائلي الذي يضمن شروطا متميزة للعمل التربوي والبحث العلمي.

اسمكم حاضر ضمن أصحاب سلسلة “الأربعة” المشهود لهم بالكفاءة في مجال البحث العلمي وفي الإنتاج الإبداعي، نود لو نعرف من أين انبثقت فكرة تأسيس “سلسلة الأربعة”؟ وما الهدف منها؟ وكم عدد الكتب التي تم صدورها حتى ألان عن هذه السلسلة؟.

من التقاليد المرعية لدى هذه المجموعة الكريمة من الأصدقاء، الحرص على السياحة الثقافية والحرص على الترفيه المتبادل، طلبا للتنفيس والإحماض، وهربا من خطر الروتين القاتل في المدينة الكبيرة وضغوطات الحياة اليومية. واذكر أننا مرة كنا في رحلة بالمحمدية، واقترح الفكرة الصديق العزيز السيد محمد احميدة؛ فهو أول من اقترح الفكرة منذ 2005، ورأى بفكره السديد جدوى الالتئام عند فكرة علمية صرف، يلتقي فيها الحب الصادق والعشق الصوفي للمعرفة والعلاقة الإنسانية الناضجة.. فكانت فكرة التأليف العلمي والنشر المشترك وتبادل الدعم في هذا الاتجاه. وكان ن ثمرات هذه الفكرة أن ربحنا علاقة إنسانية هي الآن مضرب المثل في الجامعة المغربية، ونتج عنها الآن 10 مؤلفات منشورة والــ 11 قيد الطبع وسيكون بين يدي القراء نهاية هذا الشهر.

خصصتم الجزء الأول من أطروحتكم الجامعية، التي تقدمتم بها لنيل دكتوراه الدولة، لصياغة مقدمة للخطاب الصوفي المغربي الحديث. حدثنا عن دواع اختيار” التصوف” كموضوع للدراسة والتحليل؟

التصوف موضوع، التصوف مجال، التصوف فكر، التصوف معارف وعوارف..الخ.. لا يهم تحديد الاسم الاصطلاحي، وإذا كان مهما تحديد أسباب اختيار التصوف في البحث الجامعي، ففي الأمر العديد من الدواعي والأسباب: اذكر منها قوة تركيب الفكر المغربي المرتبط بتاريخ وهوية وشخصية المغرب، ويتضح ذلك عندما نجد للتصوف في المغرب تعلقا مع السياسة والاقتصاد والمجتمع ونمط العيش والتفكير. ولذلك كنت وما زلت ارى ان البحث في التصوف هو دائما بحث في الصعب والممكن والمحتمل والاستعاري والكنائي والغامض.. وأيضا المقبول والمحارب المرفوض، والمتوجس منه..الخ

أين تلتقي النصوص الكرامية مع الأجناس الأدبية الأخرى، من قبيل السيرة والخرافة والأسطورة؟

تلتقي النصوص الكرامية مع باقي الأجناس الأخرى في العنصر الأساسي والضروري للصياغة في الكل، وهو اللغة. ولكن اعتبارها نصوصا أدبيا يحقق المفارقة في النظر الذي ننطلق منه ونحن نقرأ نصوص الكرامات. وفي رأيي المتواضع، اعتبر هذه النصوص الكرامية ادبا، من حيث إنها خزان غزير بالمعرفة وثقافة الشعب، كما إنها خزان لصيغ التعبير لدى فئات عريضة من المتكلمين باللغة.

صدر لكم مؤخرا ضمن سلسلة الأربعة، مؤلف ” أدب الكرامات: من ميثاق الثقة الى خطاب التماهي”، وأدب الكرامات هو أدب في قمة البلاغة وحرارة المشاعر الإنسانية النبيلة ومرارة الحرمان، فهل النص الكرامي مجرد ظاهرة ثقافية عابرة؟ أم هو نص له جذور عتيقة ثابتة وأدبيات مخصوصة به؟

يبحث السيميائيون والدلالين الجدد منذ مدة غير يسيرة عن فكرة الأصل لنص من النصوص، وذهب الكثير إلى أنها فكرة هلامية وزئبقية من الصعب التمكن منها. ولذلك يصعب أن أقول إن هذه النصوص جاءت من فراغ، كما يصعب أن احدد النص الأصلي الذي جاءت منه.لأنها تنسج من كل ما ينسج خيوط النص العربي ألفاظا وصيغا وأساليب.. فالكرامة كفكرة ليست هي النص الكرامي، وانا انظر في النص ولا انظر في محتواه. ومن هذه الناحية كذلك، اعتبر أن الكرامات هي الوعاء التاريخي الجميل لكيفية التفكير وكيفية التعامل مع الآخر وكذا طبيعة الوعي لدى فئات عريضة من الشعوب.

 ترى ما نصيب الأدب الصوفي من البحث العلمي الجامعي راهنا؟

هو نصيب هزيل، لأننا لم نفرق بين التصوف كمجال للبحث العلمي والتاريخي والأدبي والأنثربولوجي والنفسي والذهني، وبين الانتماء إلى الزوايا والطرق الصوفية.. وفي هذا المقام فالبشرية تفرق جيدا بين من يأكل لحم البقر ومن يصلي له ويعبده.

ركز ويليك ووارين على “قضية الفن” في الأدب، وعلى الوظيفة الجمالية الغالبة فيه، واقتنعا بنسبية أي تحديد للأدب ومفهومه. بنظركم، هل تنطوي نصوص الكرامات على حس جمالي معين ؟ أين يكمن؟

البحث في الحس الجمالي من ناحية اهتمام الباحث الادبي والباحث في الأفكار وتاريخ الأفكار، يركز دائما على الترسبات التي تخلفها اللغة في نفية المتلقي وتنعكس على مداركه ، في اتجاه الارتقاء بذوقه نحو الجمال والكمال. وهو ما يعن بان النصوص الكرامية بلغتها وأساليبها تحاكي النماذج والمخلوقات العليا والكاملة التي تريد أن تصعد بها مراقي الأنبياء والاولياء. وانا اهتم في النسيج الاستراتيجي البلاغي الذي يجعل من هذه النصوص كذلك. ومن هنا فهي عندي نصوص تتوفر على قدر معين من الجمالية، إذا وسعنا قليلا من هذا المفهوم، الذي أعرف أن حصره وتضييقه ليس من البحث العلمي في شيء.

 إلى جانب الاهتمام بنظرية الأدب والبحث الأكاديمي، لديكم ولع بكتابة القصة القصيرة. وقد قرأت مؤخرا نموذجا من أعمالكم القصصية، أقصد القصة الجميلة “نفث الثعبان”. فكيف جاء المبدع عبد الله بن عتو إلى هذا الحقل الإبداعي السهل الممتنع؟، وكيف يقرأ واقع القصة القصيرة بالمغرب؟ والى أي حد هو راض عن هذا الواقع؟.

أهتم بالقصة في المغرب خصوصا، وذلك انسجاما مع مجال اشتغالي بالأدب المغربي بمفهومه الواسع. أما السؤال عن الرضا، فهو من باب الرغبة في إسقاط الفردي على الجماعي أو الشامل.. وهذا أمر أرفضه.. كما أن الرضا مسألة مزاج وذوق وطبع وكيفية التعامل مع الأشياء والحيز الثقافي الذي نشغله ونحن ننظر إلى النصوص القصصية.. ذلك أن القصة المغربية تتخلق ولكن بصعوبة.. والسبب أن الناس لم تستوعب أبدا أن الابتعاد عن القراءة والاكتفاء بالموهبة أمر غير كافي لكتابة القصة الجيدة وبشكل جيد.

ولذلك فأنا أنتصر لمن يقرأ كثيرا ليكتب قليلا.. كما أنني أدعو لقراءة النصوص العالمية الجيدة، ولا ندعي مرة أخرى أننا نكتب من فراغ، فنسأل يوما ما عن مصادر القصة القصيرة مثلا في المغرب، ولن نعثر على جواب..

يجب ان نفكر في كيفية خلق وضع اعتباري للفن اللفظي العربي/ المغربي ضمن دائرة الفن التعبيري الكوني.. وهذه رسالة غالية تدعو للتأمل والتفكير الجادين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *