لم تكن الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير مطلع السنة الميلادية 2026 مجرد كارثة طبيعية كشفت هشاشة البنية التحتية وضعف قنوات الصرف الصحي إلى جانب تقصير المسؤولين المعنيين فقط، إنما كانت زلزالا سياسيا وٱجتماعيا فضح الواقع التواصلي لمنتخبي إقليم العرائش مع الساكنة، حيث عاش سكان مدينة القصر الكبير والنواحي صدمة كبيرة، وذهولا ملفتا، وذعرا تداخل فيه التوتر العصبي مع الضغط النفسي القوي الذي ٱمتزج بعويل الصغار وحيرة الكبار الذين وجدوا أنفسهم فجأة تحت وطأة طقس عاصف ومصير مجهول جراء هذه الفيضانات.
في تلك الظروف الإستثنائية الرهيبة التي تحول فيها وادي اللوكوس ووادي المخازن إلى وحش مخيف ابتلع أثاث المنازل، وهدد الأرواح، ارتفع منسوب الألم والخذلان الذي شعر به الناس بالقصر الكبير والضواحي، وهم حيارى يلتفتون يمينا ويسارا عساهم يجدون نواب الإقليم إلى جانبهم، يشاركونهم قساوة الظرف، ويتقاسمون معهم صعوبات المحنة، غير أنهم وجدوهم شبه غائبين وقد فضلوا الارتكان للظل والبقاء في الخفاء، تاركين سكان مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة يواجهون واقعهم المرير، ومن حضر منهم كان خطابه يزيد الساكنة خوفا وهلعا بدل كلمة طمأنينة منه تبدد فزعهم، أو تواصل مثمر ناجح يهدئ روعهم، ويشكل لهم أداة دعم تخفف عنهم ثقل المصاب الجلل.
اليوم ومع دخول المغرب غمار الانتخابات التشريعية للسنة الميلادية 2026، ومع ٱقتراب التوجه لصناديق الاقتراع، لوحظ توظيف ملف فيضانات القصر الكبير كورقة ٱنتخابية، أشهرها البعض في مهرجاناتهم الخطابية وٱستعملها البعض الآخر لٱستمالة الأصوات حتى غدت هذه الكارثة الطبيعية التي أوجعت القصريين ومن في محيطهم مادة دسمة للمزايدات والوعود الإنتخابية بلا منازع.
اليوم خرج من جحورهم من كانوا بالأمس مختبئين والمواطنون يطلبون إجابات على تساؤلاتهم، ها هم يوزعون الابتسامات والعناق، ويجلسون أرضا مع الجالسين، ويمنحون آذانهم – او بالأحرى يتظاهرون بذلك – لمن يتحدث إليهم شاكيا مشاكل المدينة وشبابها الضائع، ويشاركونهم الطعام والمآدب، ويقطعون المسافات للوصول إليهم، ليس حبا او لسواد عيونهم، بل زيادة في جمع الأصوات الإنتخابية التي من شأنها أن تؤهلهم للفوز، ليبقى سؤال أغلبية المواطنين:
” أين كان هؤلاء أيام الفيضانات؟” معلقا يستنكر غيابهم غير المبرر.
لقد عكس المشهد العام بجلاء اتساع الهوة بين المواطن والمنتخب في أوقات الأزمات، بحيث ٱتضح أن الغياب المسجل للبرلمانيين – عن مدينة القصر الكبير في عز محنتها – ما هو إلا دليل على موسمية التواصل التي لا تنجلي بقوة إلا مع ٱقتراب صناديق الاقتراع، إذ المصلحة الشخصية تفوق كل ٱعتبار.
إن ما خلفه الغياب الميداني من عدم دعم ومساندة المواطنين إبان الكارثة الطبيعية المتمثلة في الفيضانات كشف الوجه الآخر لجانب من نواب الأمة و سلط الضوء على عدم وفائهم وعلى سوء قربهم من هموم الشارع؛ فالوجوه التي آثرت الجلوس في مكانها و ٱستحسنت المراقبة من خلف الشاشات وقت الغرق هي نفسها حاليا تتواصل مع المواطنين تطلب ودهم وثقتهم من أجل مستقبل أفضل للبلاد والعباد، وتقصيرهم ٱتجاه المدينة الجريحة لم يكن تقصيرا إداريا فحسب، بل كان سقوطاً أخلاقياً وتواصلياً من وجهة نظر المواطنين القصريين المتضررين خصوصا، بحيث أن النائب البرلماني الذي ٱعتادوه يطرق أبواب بيوتهم في مواسم الانتخابات مستعطفاً الأصوات، ها هو ذا قد أغلق هاتفه وتبوأ مقعده مع المتفرجين تاركاً إياهم يواجهون السيول الجارفة بمفردهم.
لعل الهشاشة التواصلية في فترة فيضانات القصر الكبير عرت بعضا ممن وضع الشعب فيهم الثقة، وأثرت بشكل سلبي على الناخبين حتى غدا الناخب منهم صعب الإرضاء بوعود مؤجلة، وقد باتت ذاكرته تخزن ليالي رعب يستحيل أن تنسى في ظل الفيضانات.
إن الانتخابات اليوم فرصة للمواطنين من أجل التغيير الحقيقي، وذلك بقطع الطريق عن جميع أساليب الإستغلال السياسي للقضايا الحساسة التي يجعل منها البعض مطية للوصول إلى الكراسي.
لا بد من بناء الوعي الجماعي بأن الانتخابات ليست مناسبة للاغتناء والتجارة بالذمم والمحن، وليست مصالح فردية تقضى، وليست صوتا يقابله مال قل أو كثر، وليست موسما للتطبيل والتزمير والرقص، إنما هي خطوات ثابتة نحو قناعة سياسية، وغد يتحكم فيه الضمير اليقظ، والتحلي بروح المسؤولية، وخدمة الصالح العام، والأهم مؤازرة المواطنين في الشدائد بالشكل الذي ينبغي، فالأزمات قد ترحل ولكن المواقف تظل شاهدة على أصحابها إن بالنبل أو بالخذلان.























