الــصـــحـــراء بـــعـــــيــــون أســــــمــــاء (مدينة العيون) (3) / بــقــلـــم : أســــمـــاء الــــتــمـــالح

تتميز الأراضي الصحراوية بجمال خاص، فهي ترتب نفسها بنفسها في منظر ساحر تعكسه كثبانها الرملية. ورغبة في الاستمتاع بهذه الرمال الذهبية، ومحبة في ربط الوصال بها، اتخذنا وجهتنا نحو وادي الساقية الحمراء، بضواحي مدينة العيون، نطوي المسافات ركوبا، قبل أن يتوقف بنا المسير لنستكمل الطريق راجلين، صوب لوحة فنية ربانية، مكونة من الرمال ، أقل ما توصف به أنها رائعة.

وقفنا نتأمل المكان من بعيد، كانت الرمال تلوح بكثبانها، في دعوة للاقتراب من أجل ملامسة ملامحها الرقيقة، ولمصافحة كفها الدافئة.

عند انطلاقنا إليها، اعتقدنا في الوهلة الأولى أن المسافة التي تحول بيننا وبينها قريبة للغاية، غير أننا كلما تقدمنا خطوات اكتشفنا أن المتبقي يضاهي ما قطعناه أو يزيد، وبالتالي بدا اعتقادنا خاطئا منذ البداية.

تخللت مسالك عبورنا ذهابا وإيابا مجموعة من البركات المائية، كنا نضطر للقفز تجاوزا لها، ووقفت في وجهنا غير ما مرة أحجار عرقلت مسيرنا، وأمام كل حاجز أعاق وصولنا، كنا نرفع التحدي، نصر بشدة على استكمال ما بدأناه من طريق، عملا بالمثل القائل: ” من يريد العسل يصبر للسعات النحل”، وكان شعارنا: ” قادمون يا رمال مهما كلفنا الثمن “.

كانت لسعات النحل هي تلك الحواجز التي أجبرتنا على بذل أكبر مجهود لتخطيها، وكان العسل هو أن نعانق رمال الصحراء التي يسكننا حبها، ونحن نستمتع بوجود حباتها بين أكفنا متخللة ما بين أصابعنا.

الطريق طويل، ولا مجال لاستعمال أي وسيلة نقل، العقبات تتوالى، والرغبة الجامحة في تحقيق المهمة قوية، هكذا مرت الأمور إلى أن وجدنا أنفسنا والرمال الذهبية الجذابة جنبا إلى جنب، نتبادل الفرحة والابتسام والمداعبة البريئة.

بدت رمال الصحراء وديعة، هادئة، مستحيية، مرحبة بنا، وكأنها عروس تجملت عمدا للقيانا، وتزينت بما تملك من حلي ذهبية، لتضفي على نفسها ذاك اللون الذهبي الذي يشع نورا.

كنا نتفحص حسنها ونردد بحس واحد :
– ليس خسارة فيك ما بددنا من طاقة، وما تحملنا من عناء كي نصل إليك، إنك حقا تستحقين كل مجهود يبذل في سبيلك، فأنت الأرض الغالية، وأنت التضحية نفسها.

وحين حولنا أنظارنا في اتجاهات أخرى بمنطقة الوادي، باغتنا مزيج من ألوان الزرقة والصفرة والخضرة، زرقة السماء الصافية المنعكسة على مياه وادي الساقية الحمراء، وصفرة الرمال والأحجار التي تقاسمتها مع بعض النباتات الشوكية الصحراوية (توندرا)، وقد تخللت الوادي أو حفت بحوانبه. لون الخضرة وهو قليل يحضر ببعض الشجيرات ليزيد من تنوع الألوان وتناغمها القزحي بالمنطقة.

الطبيعة هناك ملك لك وحدك ولمن اخترت من المرافقين، لن يزعجك أحد، ولن يعكر صفو مزاجك أحد، استمتع بها كما تشاء، وإن رغبت أثناء المغادرة في تناول أي مشروب خفيف عرج على مقهى بسيط وجميل، يوجد على بضع أمتار من المنطقة عند الرجوع، كي تكتمل متعتك وتسعد روحك أكثر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *