شكلت ظاهرة ٱكتساح المرأة للمقاهي المختلطة من أجل متابعة مباريات كرة القدم المرتبطة ٱرتباطا وثيقا بمشاركة المنتخب الوطني أمرا غريبا لم تعهده مجتمعاتنا من قبل، بل على العكس، كانت مقابلات كرة القدم العدو اللدود للمرأة، والسبب الرئيسي في مشاكل كثيرة مع زوجها داخل البيت حينما ينشأ نزاع بينهما حول من ينفرد بشاشة التلفزة داخل المنزل، خصوصا إذا تزامن وقت المباراة مع مسلسل عربي أو مغربي تكون هي من الوفيات له والمخلصات في مشاهدة حلقاته.
يبدأ الصراع بأن يغير الرجل المحطة في ٱنتظار ٱنطلاق المباراة، بينما تصر المرأة على أن تتابع الحلقة الجديدة من مسلسلها المحبوب، لينتهي الأمر بالصراخ والغضب وفي أحايين أخرى إلى ٱنهيار العش الأسري إن لم يعد الإثنان إلى رشدهما ويتصالحا ويعالجا الموضوع بحكمة وعقلانية.
هكذا كانت المرأة، تكره اليوم الذي تبث فيه مباريات كرة القدم، لكونها تحرمها من الاستمتاع بوقتها أمام التلفاز، وبالتالي تجعل زوجها منشغلا عنها وقد يتأخر ربما في تلبية بعض الاحتياجات الأسرية في وقتها لحين ٱنتهاء المباراة، الشيء الذي يزيد المرأة حنقا وكراهية أشد لهذه الكرة التي تتعبها تعبا قويا وتشقيها.
دارت الأيام، وتملك شغف كرة القدم المرأة، وباتت تشارك الرجل ٱهتمامه بالكرة، بل صارت تزاحمه في المقاهي المختلطة وتسبقه لحجز مقاعد بها للفرجة.
لاشك في أن من حق المرأة أن تشاهد هي الأخرى مباريات كرة القدم وتستمتع بأجوائها، ولا شك في أنه من حقها أن تحتفي بفوز منتخبها وتفرح لفرح ٱنتصاره، كما من حقها التعبير عن حماسها وتشجيعها لفريقها وهو يلعب داخل الميدان مواجها فريقه الخصم، غير أن مسألة التواجد بالمقاهي المختلطة – جنبا إلى جنب مع الرجال في جو يؤثثه دخان السجائر، وأصوات خشنة تصرخ وتتلفظ بألفاظ قبيحة في حماس زائد وغضب عارم عند تضييع الهدف – تظل فعلا غير محمود، وسلوكا ينقص بشكل أو بآخر من وقار المرأة وٱحترام تواجدها في الأماكن العامة، خصوصا منها ذات الطابع الترفيهي المفعم بالتسلية.
قد تشكو المرأة من تحرشات بعضهم داخل هذه المقاهي، وقد تتعرض لٱستفزازات من باب أن الجنس الآخر متضايق من وجودها معه في مكان لطالما تردد عليه هو وبنو جنسه فقط، وٱستمتعوا فيه بأجواء المنافسة الرياضية بكل حرية ودون قيود تفرضها الآداب العامة إذا حضرت هذه الأخيرة المكان.
المؤسف هو أن يتخذ بعض النساء هذه المقاهي لأغراض أخرى بعيدة عن الفرجة وعن الاهتمام بكرة القدم، ولعل حضورهن بكامل زينتهن متعطرات يثرثرن طول وقت المباراة ويغتبن فلانة وعلانة داخل المقهى ولا ينتبهن للمقابلة إلا حين ترتفع الأصوات عند تسجيل هدف أو تضييعه، فيقلدنها في بلاهة كما لو كن متابعات بالفعل وعلى علاقة وطيدة بالكرة ودراية تامة بقانون اللعبة، والحقيقة عكس ذلك تماما.
أغلب المقاهي المختلطة لا تضمن الأمان للمرأة ولا تحميها عند حدوث شر ما، فعلى عاتق المرأة تلقى مسؤولية نفسها، فلماذا لا تتخذ من بيتها ملاذا آمنا تستمتع فيه بالفرجة، تصرخ كما تشاء وتركض كما يحلو لها بين جدراني منزلها دون ملاحقة من أعين أحد، أو تلصص من كاميرات هواتف بعض الفضوليين، ودون أن يتجرأ أحد عليها بالكلام أو اللمس أو ماشابهه وقد صانت نفسها عن كل ذلك مادامت المقاهي المختلطة لا تقيم لها وزنا ولا تخولها ٱعتبارا، وتتعامل معها معاملة الجنس الخشن الذي ٱعتادته زبونا وفيا لها رغم الكثير من الخصوصيات؟
كثيرا ما تتحول الفرجة بالمقاهي المختلطة التي تجمع النساء والرجال على حد سواء إلى ملاسنات إما بين الرجال بعضهم البعض، أو بين الجنسين المختلفين بسبب مضايقات مقصودة أو غير مقصودة يراد بها ٱنصراف طرف من المكان، فلماذا تقحم المرأة نفسها في مثل هذه المشاكل وهي في غنى عنها، ويمكنها قضاء وقت فرجوي أمتع بمملكتها ( البيت) بكامل حريتها، وأمام صينية كؤوس شاي منعنع وصحون الفواكه الجافة والذرة المطهية، أوليس أفضل من الخروج من بيتها صوب المقاهي المختلطة ولقاء المحترم والوضيع من الناس بها؟
إنها إذا سلمت من الأذى داخل هذه المقاهي فلن تسلم منه خارجها وهي تعبر الطريق وسط الحشود الغفيرة من الجماهير المنتشرة من كل حدب وصوب عائدة إلى منزلها بعد نهاية المقابلة خصوصا إذا تم ذلك في ساعات متأخرة من الليل.
حق الفرجة مكفول للمرأة، هذا أمر مفروغ منه، فقط حري بها أن تضع نفسها في المكان المناسب، وتنأى بها عن كل ما من شأنه أن يدنس صورتها ويقتل كبرياءها ويقلل من ٱحترامها.
فلا تنتظر المرأة أن تكسر كراسي أمام عينيها حماسة وغضبا من المتفرجين لتقتنع بالعودة للفرجة من بيتها، ولا تنتظر أن تكون شاهد عيان على كؤوس تقذف بها أيادي بلا شعور داخل المقهى لتكف عن ٱرتياد المقاهي المختلطة، فكل شيء وارد، والجنس الخشن معتاد على مثل هذه الحركات وتقريبا صارت عادية لديه إلى حد ما وتطبع معها، أما بالنسبة للمرأة فيمكن أن تخلق لديها صدمة وشعورا بالفزع قد يتطلب وقتا للتخلص منه مادامت حديثة العهد بالجلوس بمقاعد المقاهي المختلطة لمتابعة مباريات كرة القدم في بثها المباشر.
























