لم يكن قدومي إلى نهر أبي رقراق الذي يحلو لي الجلوس بين ثناياه هذه المرة شبيها بسابقيه، ففي كل مناسبة أقيم بها بالعدوتين الرباط – سلا لا بد لي من أن أمر به وأقضي بين جنباته وقتا جميلا مليئا بالهدوء والسكينة والارتياح، حيث أطلق العنان للتأمل، وأسرح في عوالم الجمال الذي يفرش ظلاله بالمكان، فأتخلص من عبء الطاقة السلبية التي أثقلت كاهلي من مجموعة سلوكات وأفعال أصطدم بها مثل غيري في الحياة اليومية المشحونة بالهموم والمشاكل.
جئته هذه المرة مكسورة الخاطر، منهارة نفسيا، عيوني تذرف الدموع بلا توقف، أسارع إلى إخفائها بمسحها بسرعة تفاديا لأي سؤال أو موضع شفقة، اتخذت كرسيا للجلوس، وظللت جامدة في مكاني، مصدومة لا أستوعب بعد ما جرى بمدينتي القصر الكبير، وما يحدث بها وكيف أمرنا بمغادرتها دون سابق تحضيرات للمغادرة أو استعداد للابتعاد عنها، كنت أنظر لأبي رقراق وفكري ومشاعري كلها مع اللوكوس ووادي المخازن، اعتصر الألم بداخلي وانسابت الدموع بغزارة من عيوني دون قصد، ووجدتني أطأطئ رأسي كي لا يكشف ما أنا فيه من وجع، ظللت على ذا الحال مدة من الزمن، صامتة، شاردة، مكلومة، فإذا بأبي رقراق يكسر جدار صمتي ويقترب مني مخاطبا في ابتسام:
يا أهلا .. حللت أهلا ونزلت سهلا
نظرت إليه وغيرت وجهة نظري بسرعة إلى اتجاه آخر، فقاطعني:
منذ وقت وأنا أراقبك وبدوت لي على غير عادتك، أين حيويتك ونشاطك المعهود؟ أين ابتسامتك وضحكاتك التي كانت تملأ دنياي؟ أين ركضك هنا وهناك؟ وصوتك الجميل في الدندنة بالغناء؟ أين غيبت كل هذا ؟
لم أنبس ببنت شفة، وبقيت في وضعية جمود، فعاود مخاطبتي:
أيا بنت اللوكوس أجيبيني .. لم أعهدك بهذا الحال!!
كان وقع اللوكوس بأذني بمثابة قنبلة فجرت مابداخلي فأجهشت بالبكاء بعد تكتم طويل نال من محاولات مقاومتي، كان بكائي بصوت عال ومسترسلا، جعل أبا رقراق يستشعر ما أعانيه فردد قائلا:
تبا لك أيها اللوكوس !! تفعل كل هذا بمن يحبك ويخلص لك. يا لقسوتك !!
حاول أبو رقراق أن يمتص حزني بشتى الطرق، يمازحني مرة، ويحكي لي عن حماقات اللوكوس التي أربكت غير ما مرة سكان مدينة القصر الكبير، وداهمت هدوءهم وهددت أمنهم مرات أخرى. قال لي مطمئنا:
اسمعي، أعرف اللوكوس جيدا، إن لديه فترات غضب قوية من حين لحين، غير أنه سرعان ما يتراجع ويعود لصوابه، هذا حالنا جميعا معشر الأنهار نحب أن ندلل أنفسنا أحيانا لنرى هل لنا محبين أم لا، قد لا يبلغ غضبنا حد اللوكوس إنما نحن أيضا ننفعل ونحتاج طبطبة من أعزتنا.
اللوكوس يوجد في موقع يزيد من حدة غضبه فيضاعفه، إن حاول الدلال قليلا غرق وأغرق من حوله معه، ليس لأنه جبار طاغية، إنما لأنه في موقع ضعف وسهولة في الانقضاض عليه، وفي دفاعه عن نفسه جراء الضغط القوي الممارس عليه يصيب أحبته دون نية في الأذية. ثقي بي أنا أعرف زميلي جيدا.
هدأ كلام أبي رقراق من روعي، وبعث في الأمل في تحسن الأوضاع، وأيقنت أن ما أعيشه وساكنة مدينة القصر الكبير مجرد كابوس عابر سينتهي وتنتهي معه كل الهموم، وسنعود لحضن مدينتنا بعد رحلات العذاب التي تكبدناها في لحظات مفاجئة.
ربت أبو رقراق على كتفي مؤازرا، ضاحكا مستبشرا وهو يقول:
طيبي مقاما عندي ما استطعت، عودي لشقاوتك، اركضي حوالي مثلما كنت تفعلين، قهقهي ضحكا، وتحرري من كل ما مرر عيشك وأذهب النوم عن عينيك، فأنت وأهل القصر الكبير في رعاية الله، واللوكوس معكم يرعاه الله.
تسللت الطمأنينة لداخلي، وبدأت بوادر التفاؤل تشق طريقها إلي، استجمعت قواي، رسمت ابتسامة شكر وامتنان في وجه أبي رقراق، وعدت إلى بيتي بأحاسيس إيجابية غير التي صاحبتني في طريقي إليه، وبمجرد دخولي كتبت أول مقال من هناك أنادي فيه أهل القصر الكبير وأبعث فيهم الأمل الذي سخر الله تعالى أبا رقراق أن يزفه إلي، فكان العنوان : ” أيها القصراويون: أزمة وستنفرج ونعود لبيوتنا إن شاء الله.
لقد نجح أبو رقراق في إخراجي من محنة حقيقية لم أكن أمر بها وحدي، بل كان يعيشها كل القصريين بأماكن مختلفة وبجانب أودية وبحار ومناطق سكنية متنوعة تركت أثر المؤازرة في نفوسهم وكانت إلى جانبهم وقت المحنة.
من اللوكوس إلى أبي رقراق تحية أخوة ومحبة وتقدير، ولا أرى الله مغربنا بأسا ولا شدة. كل المآسي تخمد بالاتحاد، وكل الأوجاع ترحل بالتآزر، وكل الأشجان تتبدد مع العودة إلى الله والإيمان بأقداره خيرها وشرها، فشكرا لكل من كان مع مدينة القصر الكبير في الموعد وهي تعيش امتحانا عسيرا وتمر بأزمة كشفت كل المعادن.
17 مارس 2026
























