الــصـــحـــراء بـــعــيـون أسـمــاء ( مدينة العيون) (2) بــقــلـــم : أسـمـاء الــتـمـالح

تكثر بمدينة العيون فضاءات الترفيه والترويح عن النفس. يقصدها السكان أفرادا وجماعات للاستفادة منها. وقد قصدت إحداها لاستنشاق الهواء المنعش، والاستمتاع بجمال حديقتها المرتبة ترتيبا حسنا بإشراف حراس مختصين .

جلست على كرسي أتفحص من بعيد حسن نافورة تستعرض رونقها أمام الموجودين. طيف امرأة سمينة يمر من أمامي، لم أعر اهتماما في البداية، غير أني سرعان ما وجدتني أوجه انتباهي الكامل إليها، وقد رأيتها ترمي بلحاف على الأرض وتجلس، استغربت تصرفها، خصوصا وأن هناك كراسي بها أماكن شاغرة كان بإمكانها استعمالها.

رميت المرأة بنظرات لم تفهمها، كما لم أفهم بدوري افتراشها للأرض في وجود كراس بالمكان. همست لجليستي ما إذا كانت المرأة مختلة عقليا، كي أبتعد بنفسي عن المكان درءا لأي أذية قد تلحقني منها، لأنها كانت تجلس بمسافة قريبة جدا مني .
ضحكت جليستي، وأخبرتني أنها تشك في أن تكون المرأة مصابة عقليا، انما بدانتها الزائدة اضطرتها لذلك، ثم إن أهل الصحراء معتادون على افتراش الأرض، وليس كما هو مألوف عندنا بمناطق المغرب الأخرى، حيث افتراش الأرض غالبا ما يقبل عليه المتسولون أو المتشردون أو المرضى عقليا .

لم أطمئن إلا حين التحقت بها سيدة تضاهيها في السمنة، تقاسمت معها الجلوس أرضا، وانسجمتا في حديث خاص.
سرح خيالي مع صور افتراش الأرض للجلوس باستعمال لحاف أو بدونه. استحضرت أمكنة عدة مررت بها لم تخل مما يشبه الصورة، أدركت فعلا أنها عادة صحراوية بامتياز، إذ لا حرج ولا عيب في ممارستها، كما لا ضرر صحيا يترتب عنها – والله أعلم – اعتبارا لتميز الأرض الصحراوية بالسخونة عن غيرها من الأراضي.

مهما يكن من أمر، فأهل الصحراء كما تبين لي يعشقون البساطة، وما افتراشهم للأرض خارج بيوتهم وداخلها، معتمدين أفرشة أرضية، إلا دليل صرف على ذلك. كما أنهم مرتبطون أشد ارتباط بهويتهم الثقافية الصحراوية، ولا يقبلون بغيرها بديلا.

ربما وجدوا الحكمة في افتراش الأرض، حيث يكون الإنسان أكثر تواضعا وتلقائية ممن يقعد على علو، فوق كرسي أو ماشابهه، سيما اذا كان مزينا ومنظره مغريا، مما يرفع من غرور الشخص القاعد ويجعله يتوهم أنه قد ملك الدنيا بما فيها.

اذا كان للجلوس ارضا ميزات وحسنات، فإنه لم يخل من العيوب أيضا، خصوصا عندما تصبح عتبات منازل الصحراء في الأحياء الشعبية على وجه التحديد، تغص بالسيدات في حلقات دائرية مرتديات زيهن المألوف” الملحفة”، يلاحقن العابرين بنظراتهن، ويتجاذبن أطراف الحديث حول خصوصيات الناس بعد التجسس على أخبارهم، ومتابعة كل جديد عنهم، مع تصحيح كل معلومة خاطئة وردت في لقاءات سابقة، حسب ما أفادتني به إحداهن.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *