أزمة الثقة في العلاقات الإنسانية / بقلم : أسماء التمالح

الثقة .. كلمة صغيرة، مدلولها كبير، تأثيرها قوي، حضورها فيه خير للبشرية، وغيابها فيه خسارة وزعزعة لاستقرار النفوس .
عندما نثق بشخص فاننا نصدقه القول والفعل، نهبه أنبل المشاعر، نأتمنه على أسرار ووقائع، وننتظر منه أن يكون في مستوى الأمانة، والقول، والفعل، والشعور الثمين الذي تقاسمناه معه . غير أن الصدمة كل الصدمة هي أن يصحو المرء على سوء اختيار من وثق به، وظن به ظنا حسنا، فكان مخيبا للآمال في النهاية .

تتعدد الصور الاجتماعية لظاهرة أزمة الثقة، ويتنوع الأبطال المجسدون لها بين آباء، وأزواج، واخوة، وأصدقاء .

ثقة ابن مغترب وخذلان أب

يهاتف والده من ديار الغربة باستمرار، ويبعث اليه ببعض المساعدات المادية الخاصة، وقصد تأمين مستقبله كلفه بشراء قطعة أرضية، أو منزل جاهز، بمبلغ مالي اضافي يرسله من أجل تحقيق هذا الغرض .
كان الابن واثقا في أبيه، غيرأن الوالد لم يكن أهلا للثقة، حيث كان يعبث بكل الأموال التي كان يتوصل بها، ويبعثرها يمنة و يسرة، دون اعتبار لغربة الابن ورغبته القوية في العودة الى الوطن الأم .

الابن مثل أقرانه يتوق الى أن يبني لنفسه مسكنا خاصا يؤويه بعد رجوعه، وينسيه سواد الأيام و الليالي التي قضاها بعيدا عن دفء الوطن .
سنوات مرت، كان الابن يعتقد طيلتها أنه استطاع تحقيق شيء يعود عليه بالنفع، الا انه عند عودته فوجىء بالأموال التي كانت ترسل قد بنى بها الوالد منزلا آخر له، وتزوج من ثانية أسكنها به، أما هو فعوضه على الله .

ثقة زوج وفي وخيانة زوجة وصديق

تضطره لقمة العيش الى السفرالمتكرر، والتغيب عن دفء بيت الزوجية لأمد، ومن شدة حبه لها وفرط الثقة فيها، كلف أقرب أصدقائه بطرق باب البيت من حين لحين، عل الزوجة تحتاج لشيء في غيابه .
لم تكن الزوجة ولا الصديق في مستوى الثقة التي منحت لهما من قبل الزوج، وبدل أن تحافظ هي على نفسها، وتصون كرامتها، ويكون هو أمينا ومخلصا، عاد الزوج على حين غرة ليجدهما فوق سرير الزوجية متلبسين بالخيانة .

أخ مغرم و أخت ذهبت في مهب الريح

قضى والدها نحبه، وتوقعت أن يصير أخوها سندها في رحلة الحياة القاسية، بدأت مسيرة الاختبار بسفر بعيد عن مدينتهما الأصل، التنقل فرضته طبيعة العمل الذي زاولته الأخت .

بحسن نية عرفت الأخت أخاها على زميلة لها، توطدت العلاقة بينهما، وأصبح الأخ كلما سافر لا يسافر من أجل رؤية أخته والاطمئنان عليها، بقدرما يعجل بالسفر لرؤية زميلتها التي كانت سعيدة جدا بهذا الاهتمام، و أسعد بذاك النكران لأخته التي كانت الى عهد قريب زميلتها في العمل ورفيقتها في الدرب .

تغدر صديقتها وتخطف خطيبها

لم تكن تتوقع يوما أن الصديقة التي تحكي لها أدق التفاصيل عن حياتها الخاصة، وتروي لها حيثيات الحب الذي يجمعها بالخطيب الذي دق باب بيتها أخيرا ستكون ماكرة ومخادعة، وستخطف منها الانسان الذي كثيرا ما عبرت أمامها عن تعلقها الشديد به .
تكرر غياب الخطيب، قلت اتصالاته، فتر اهتمامه بالبنت، فشعرت بشيء غريب يحدث خفية عنها، حتى الصديقة التي كانت لاتفارقها توارت عن الانظار.

ذهبت تسأل، فاذا بها تصطدم بواقعة زواج خطيبها من صديقتها، هذه الأخيرة التي أحسنت استمالة الخطيب الى نفسها، بناء على معطيات كثيرة حصلت عليها من الصديقة التي وثقت بها، واعتبرتها أختا لها.

هي حالات أزمة سائدة في المجتمع، وما خفي منها كان أعظم، أناس يسقطون صرعى صدمات تهز الكيان والفكر، يتوسلون من حولهم، طالبين تفسيرا لما جرى ويجري، والحال أنهم من أخطأوا ليلاقوا هذا المصير.

أهي الثقة التي وضعت في غير محلها السبب فيما حدث ؟ أهو الجزاء المحتوم الناجم عن ابعاد الشك في العلاقة الانسانية التي فطر الانسان فيها منذ الأزل على البراءة و حسن الظن ؟
أي طعم يصبح للحياة بعيدا عن الثقة ؟
وهل يستطيع الفرد استعادة الثقة فيمن حوله بعد أحداث مريرة كان لها وقع شديد على نفسيته ؟
يقول فريد ريك نيتشه : *الثقة كالمزهرية، حالما تنكسر لن تعود أبدا كما كانت حتى وان أصلحتها * .

ويعد فقدان الثقة بين أفراد المجتمع ظاهرة خطيرة، تفرغ الحياة من مكنوناتها، وتخلق التخوف عند الاقبال على تنفيذ أي قرارأو فعل، وتجعل الانسان مضطربا مترددا غير مستقر على حال . فالعواقب وخيمة، والخوف من مواجهة الصدمة يظل الشبح الذي يطارد الجميع .

رغم أن الأصل في الانسان هو الطيبة والكرم، وليس الخبث و اللؤم كما هو شائع، الا أن الحظ في وجود شخص نثق فيه، ونمنحه أسرارنا، يبقى قليلا بقلة الأشخاص الذين يستحقون، ويبقى أملا تعيش البشرية على تحقيقه .

قد تنم الحالات والصور التي ذكرناها آنفا، عن أخطاء ارتكبت أثناء وضع الثقة، كالتسرع، وسوء اختيارالموثوق به، والثقة العمياء، و التقصير في متابعة من نمنحهم ثقتنا، كما يمكن أن تنم عن وجود أسرار لا يجوز التصريح بها في كل الأحوال، والأكيد أن الهفوات التي يسقط فيها الناس هي سبب شقائهم، ومن ثم وجب اتخاذ التدابير اللازمة لاستعادة حضور هذه القيمة الانسانية بمجتمعاتنا .

قال ابن المعتز :* اذا صحت النية وتأكدت الثقة، سقطت مؤونة التحفظ *.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *