حفظ التاريخ حضورهم، علقت بالذاكرة أسماؤهم، تألقت في سماء الإبداع أعمالهم، سطع نجم شخصهم، وحفرت أقدامهم خطوات مسيرهم وهي تخط قبل الرحيل :” كنا هنا ” .
قد تبدو عبارة :” كنا هنا “في نظر البعض مستساغة فيستصغرونها في أعينهم ويستهينون بها، في الوقت الذي هي تعبير راق نبيل وتجسيد قوي لحضور أقوى، مثله أشجع الناس وأشدهم إدراكا ووعيا بصلب الحياة، فأبوا إلا أن يغادروا هذه الدنيا وقد تركوا مجدا ونصرا حققوه بعد رحلة كفاح ونضال كلفهم الكثير.
” كنا هنا ” رسالة ضمنية موجهة للجميع وإلى الجميع، رسالة تغري بالقراءة وبتفحص المضمون، لأنها تحمل معاني سامية وترسم مسار تجارب مفيدة لمن يبتغي الوصول إلى هدف يريح الضمير الإنساني، ويبرىء الذمة البشرية من تبعات ستسأل عنها يوم الحساب.
إن قيمة المرء بعد الممات تقاس بعدة معايير، لا تخرج عن نطاق تربية حسنة، وخلق جميل غرسه الفرد المسؤول منا في أولاده ومحيطه، في نبتة طيبة زرعها وسهر على العناية بثمارها حتى أعطت أكلها، في مجهود عظيم بذل سعيا لتحرير الأرض من قيود الظلم و القهر و التخلف و الجهل و العار، في عمل إنساني استطاع فاعله مسح دمعة، ورسم بسمة على الوجوه، في كتابة مسؤولة، وإبداع صادق صدقت أحرفه وأخلصت كلماته فاستنشق عبيره كل من وقع بين يديه، في موقف شهم بطولي تصدى للعدوان ونبذ الاحتلال ونادى برفع الحصار على المستضعفين من بني البشر، في خير سعى إليه الإنسان يريد به وجه الله تعالى فلا يأخذ عنه مقابلا أو يقبل عنه مديحا وثناء.
مآل الحياة التوقف، ومصير الدنيا الفناء ، إلا أن هذه الأمور وشبيهاتها والتي في مجملها تسدي خدمات خيرة للبشرية، تظل خالدة لا تموت ولا تنتهي، يظل بريقها يشع رغم ما يعتريه من غبار، تظل بصمتها راسخة حتى وإن تكاثفت الجهود لطمسها، وتظل قوتها مؤثرة في الأجيال وفي الوجود أحب من أحب وكره من كره.
ربما سلبت مغريات الحياة الإنسان من نفسه، فكانت النتيجة أن تصلب قلبه وفترت مشاعره فاستعصى عليه استشعار مثل هذه الأشياء القيمة اليوم، ولكنها الحقيقة التي لا مفر منها ولا هروب، وهي النهاية الحتمية التي سيقف عندها متى تعطل كل شيء ليجد نفسه وجها لوجه مع ما سبق وقدمه في حياته، من منطلق مسؤوليته اتجاه الغير قبل الذات ملخصا في كلمة ” كنا هنا ”، في خانة الأخيار أو في دائرة الأشرار، في صف المنصفين أو في طوابير الظالمين، في مجموعة الفطنين اليقظين أو في جماعة الغافلين.
ليختر كل امرئ ويحدد ما يشاء وهو على قيد الحياة، وليعلم كل منا أن من كانوا قبلنا هنا فوق هذه الأرض، بينهم من عاش عطاؤه وتلألأت أعماله وذكر اسمه، وبالرغم من أننا لم نعايشه فإننا عايشنا مخلفاته، امتزج تاريخنا بتاريخه، وتفاعلت مشاعرنا مع ما أسداه وقدمه من تضحيات، فلم لا نقتدي بمثل هؤلاء وننقش أحلى ما بمقدورنا أن نجود به في هذه الحياة،تاركينه ينوب عنا غدا شاهدا يقول : كنا هنا.























