هام: هذا الحوار منشور ورقيا ب ( جريدة الميثاق الوطني عدد 5955) تاريخ 4 نونبر 1995، ونشر أيضا بكتاب: ” جفون الذاكرة” للأستاذ محمد الموذن، ومدونة أسماء التمالح انفردت بنشره إلكترونيا كي يتعرف المهتمون والمتتبعون على جوانب مهمة من شخصية الشاعر المقتدر الأستاذ أحمد الطود . أحمد الطود الذي صدر له عدة دواوين أبرزها ” قصائد عن ليلى لم تنشر في ديوان قيس” و” حنظليات الجزء الأول، و” حنظليات في جزئه الثاني” …
قليلون هم الذين يعرفون شاعرا يسمى “حنظلة”، وأقل منهم أولئك الذين يعرفون أن حنظلة ليس سوى الشاعر أحمد الطود الذي هو أحد” قدماء المحاربين ” في ميدان الشعر المغربي، كما قال عنه الأستاذ نجيب العوفي ذات مرة .
أحمد الطود / حنظلة هو أحد أفراد تلك الكوكبة التي ظهرت أواخر الستينيات والتي ضمت شعراء أمثال عبد الله راجع، محمد بنيس، أحمد بلبداوي، محمد علي الرباوي، أحمد بنميمون وآخرين ..
وإذا كان كل واحد من فرسان هذه الكوكبة قد أصدر أكثر من مجموعة شعرية، فإن أحمد الطود لم يصدر حتى الآن أي ديوان من دواوينه الأربعة المخطوطة .
التقيناه، وكان لنا معه هذا الحوار :
عوامل مشتركة
– نبدأ هذا الحوار بسؤال يفرض نفسه هو: لماذا توقع قصائدك الأخيرة ب” حنظلة” ؟
حدث ذات صباح أنني فتحت المذياع لأسمع خبر وفاة الفنان العظيم ناجي العلي بعد معاناة شديدة إثر إصابته برصاصة غدر..أحزنني موته وأحزنني أيضا أن يضيع ” حنظلة” ذلك الطفل الذي جعله ناجي أسفل رسوماته راصدا الأحداث شاهدا عليها بوعي وذكاء حادين. لاحظت وأنا في غمرة تأثري بذلك الخبر أن بين قصائدي الأخيرة وبين رسومات ناجي العلي بعض العوامل المشتركة كالإحساس بالمرارة والمضمون السياسي-الإجتماعي والسخرية في تناول الأحداث والقضايا. عن لي منذئذ أن أكون حنظلة المغربي …وهكذا نشرت بعض القصائد موقعة باسم حنظلة..كما أن قصائد أخرى لم تنشرها بعض صحفنا الوطنية التي لا تكف عن التنديد بقمع حرية التعبير !
تفاعل واع مع الواقع
– قارىء حنظلياتك يلاحظ أنها تجربة متفردة في الشعر المغربي الراهن، تجربة يسودها غرض شعري واحد هو – الهجاء .. فماهي دواعي هذه التجربة في مسيرتك الشعرية ؟
إن قصائدي الأخيرة التي سميتها بالحنظليات هي نتيجة تفاعلي الواعي مع الواقع الذي يحاصرنا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا والذي يؤسس مستقبلا مليئا بالآفات والأزمات واللعنات، هذا الواقع المعيش ليس قدرا مقدرا من السماء ولكنه نتاج صناعة يصر أربابها على التملص من تحمل مسؤوليتهم عنها ويعملون جاهدين على محاولة تزييف الوعي الجماعي لحمل المواطنين على الرضى والقبول والتسليم. وأمام هذا الواقع انقسم المبدعون الى فئات: فئة عميت أو تعامت عن سلبيات الواقع الطاغية وبلغت بها بلادة الحس والوقاحة حدا جعلها تضع له المساحيق والأصباغ “لمكيجته” وإظهاره في صورة تحاول أن تخلب الوعي قبل أن تخلب العين. وفئة غضبت من الواقع وأدانته حتى إذا حظيت فيه بامتياز ما أو برقت لها منه جائزة ضخمة هادنته وصالحته و(ضربتها بسكتة) ثم دخلت (سوق راسها) موثرة الوصول السريع إلى أرذل العمر لكي لاتعلم بعد علم شيئا.
وهناك فئة ثالثة تقف من الواقع موقف العداء الذي لن يزول إلا بزوال شروطه..وعلى أرض هذه الفئة أقف مع غيري من الواقفين متحملين ضربات الشمس وسياط العزلة والغربة وآلام الوعي الشقي. فإذا وجدت الهجاء – وأنا أضع مصطلح الهجاء بين قوسين – يسود تجربتي الشعرية في قصائد حنظلة فما ذاك إلا لأنني غير مستعد كما قال سليمان العيسى أن أنسج بردا من الحمد فوق العار ينسدل.. لست مستعدا أن أصف هذا الظلام الذي يحتاط أعمارنا إلا بما يثيره في نفسي من تقزز واشمئزاز وامتعاض وسخرية .
إن ارتفاع صوتي حادا متشنجا حينا ساخرا مزدريا حينا آخر لايعني أنني شاعر هجاء إلا من قبيل التجاوز في إطلاق مصطلح ” هجاء”، ذلك أن الهجاء كغرض من أغراض الشعر القديم كان ينصب على أشخاص معينين محددين، وكان تنفيسا لحقد شخصي من الشاعر على مهجوه لأسباب ذاتية صرف أو لأسباب تتعلق بتشابك المصالح القبلية وتصادمها . وهذا ما لا أفعله أنا، إذ أنني لا أتناول الشخص من حيث هو شخص وإنما من حيث هو نموذج إجتماعي سياسي من هذه النماذج التي أفسدت البلاد واضرت بالعباد. في قصائد حنظلة أفتح الستارة عن هذه النماذج وأجردها من كافة الأقنعة الخادعة ثم أسلط عليها الأضواء الكاشفة لإظهار بشاعة حقيقتها تاركا إياها في مواجهة نفسها ومواجهة الجمهور.
الحداثة .. والهياكل القديمة
– يعتقد البعض أن الهجاء من الأغراض الشعرية التي فقدت أهميتها في الشعر الحديث .. ما رأيك ؟
لا أشك في ذلك إطلاقا .. لكن إذا وافقتني على أن شعري ليس هجاء ذاتيا شخصيا فانت توافقني ضمنا على أن هذا النوع من الشعر السائد عند بعض الشعراء المغاربة والعرب هو شيء آخر مختلف تمام الاختلاف عن الهجاء في شعرنا القديم، وإذا كنت أرفض أن توضع قصائد حنظلة في خانة الهجاء فلأنني أنتظر أن تتفتق ملكة أحد النقاد عن مصطلح جديد ينصفها ويبلور روحها ويعكس ملامح شخصيتها المختلفة والمتميزة عن قصائد الهجاء القديم .
إن موقف الحطيئة من الزبرقان أو ابن الرومي من عمرو الذي في وجهه طول أو المتنبي من ضبة وابن كيغلغ وكافور .. مواقف هؤلاء تختلف اختلافا كليا عن موقف نزار قباني أو مظفر النواب من الأنظمة العربية . وهنا أذكر أنني استغربت استغرابا من كون الشاعر الراحل أحمد المجاطي في أطروحته لنيل الدكتوراه ” أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث” قد وضع الأشعار السياسية لنزار قباني ومظفر النواب ومصطفى رجب في خانة شعر الهجاء دون أن ينتبه الى ما يميزها عن الهجاء القديم. والأدعى للاستغراب أن يقوم بنفي هؤلاء الشعراء من الحداثة معتبرا أشعارهم ” ظاهرة” وليست ” تجربة” . ولو تريث المجاطي قليلا لأدرك أن الحداثة تبدأ بتقويض الهياكل القديمة المتداعية وتخطيط أسس جديدة وفق هندسة ملبية لحاجة الناس الى الإنعتاق والحرية والعدل والنماء والإزدهار . فالحداثة ليست ” تجربة” شعرية يستوردها بعض الشعراء ويتسولها آخرون ولايمكن إطلاقا تشييدها على ما بنته طبائع الإستبداد الواصلة إلينا من العصور السحيقة .
صرخة الإحتجاج
– ماذا يعني إذن هذا النوع من الشعر المختلف عن الهجاء القديم ؟
يعني فيما يعنيه رفض المبدع إضفاء صبغة الشرعية على ركام القهر الذي قاساه ويقاسيه المستضعفون في الأرض. ويعني أيضا عدم تواطئه مع سارقي الحرية والكرامة البشرية . ومادام الشاعر لايملك إلا صوته فلا أقل في مثل هذا الواقع من أن يصرخ احتجاجا في وجه الظلم والظالمين، ولا أقل من أن يتحول صوته إلى غضب واستنكار لكل مظاهر الفساد وإلى احتقار لكل الذين يفسدون في الأرض ولايصلحون. من هنا يمكن لهذا النوع من الشعر أن يكون قنبلة موقوتة تحت عمارات العجائب والغرائب المحكوم علينا قهرا بالإقامة الجبرية فيها مدى الحياة .
– هل يمكن اعتبار قصائد حنظلة رفضا للسلطة من حيث هي ؟
لايمكن أن أرفض السلطة رفضا مجانيا ولو في الخيال .. حتى صعاليك العصر الجاهلي لم يرفضوا سلطة القبيلة من أجل الرفض وإنما كان رفضهم لها احتجاجا على ما عانوه في ظلها من بؤس وحيف وهوان فما أن كاتبهم الرسول (ص) مؤمنا وواعدا اياهم خيرا حتى بادروا بالإنضواء تحت راية السلطة الإسلامية العادلة التي أعادت لهم الإعتبار الذي كان افتقاده سببا في خروجهم على سلطة القبيلة الجائرة .
لا أرفض إلا السلطة الفاسدة التي تشتط في استعمال القوانين أو تعطلها وتلغيها . أرفض السلطة التي تزدري المواطن وتعتبره آلة متحركة وتفرغه من الإنسانية . أرفض السلطة التي تقهر الشعوب وتمتص دماءها وتقمع طموحها إلى الأفضل. أرفض إذن كل أصناف السلطة الفاسدة سواء جسدها مقدم حارة أو باشا أو مدير أو مجلس بلدي أو برلمان أو نقابة أو حزب أو حكومة . أرفض حتى سلطة النظام الدولي الوحيد باعتبارها ذروة سنام الفساد في الأرض، ذلك الفساد الذي أبت ” الديموقراطية الأمريكية” إلا أن تتسلط به على شعوب الأرض دون استشارتها أو استفتائها في قبوله أو رفضه .
– نعرف أنك بدأت شاعرا رقيقا يتغنى بالحب والجمال فكيف تجمع الآن بين رقة الماضي وهجائية الحاضر ؟
هل تعني ” هجائية الحاضر” كما سميتها أنني فقدت رقتي وغنائيتي أو أنني تنكرت للحب والجمال ؟ لا أظن ذلك.. صحيح أن نبرة صوتي في قصائدي الأخيرة تغيرت .. وصحيح أن قصائد حنظلة قذائف صوبتها تحو قبح فظيع شنيع، لكن صحيح أيضا أن كراهيتي الشديدة للقبح وللظلم لا تعني إلا تمسكي بقيم الحق والخير والجمال.
نشر بالمدونة بتاريخ 4 يونيو 2013























