حوار مع الدكتور محمد أنقار / حاوره : د. مصطفى يعلى

تحل اليوم 15 فبراير 2018، الذكرى الأولى لرحيل فقيد الأدب والبحث العلمي والنقد والإبداع، صديق العمر أ.د. محمد أنقار. وقد ارتأيت إحياء لذكراه، أن أعيد هنا نشر الحوار المفيد والممتع الذي سبق أن أجريته معه، ونشر بالعدد 2، يوليو 1996، من مجلة (مجرة) المأسوف عليها. وطبعا، بعد إذن مديرها الصديق العزيز الفنان المميز محمد البوكيلي :

مواجهة النص الأدبي بعيدا عن تكرار المقولات والخطط الجاهزة*

الدكتور محمد أنقار ليس ممن تنزلهم المصادفة إلى حرم الأدب والبحث بواسطة (البارشوت)، كما تفعل كثير من فقاقيع الأدب الهشة حاليا. ولا هو ممن يستندون على طاقم إعلامي نافذ يروج أعمالهم كيفما كان مستواهم، في كل المنابر والمحافل بتعضيد من عراب ما. بل إنما هو رجل بسيط متواضع، لكنه مثال للأدباء الأصلاء والباحثين العصاميين، لا يرتهن إلا إلى موهبته الإبداعية وكفاءته العلمية أساسا، بعد طول استيعاب ومران حثيثين حازمين امتدا حوالي ثلاثة عقود من المثابرة والاستغراق، في نكران ذات صوفي. وذلك بهدف تحمل المسؤولية في الإضافة والإثراء على الصورة المطلوبة دون ادعاء فارغ أو نجمية وهمية، وغير عابئ في نفس الآن بمظاهر الإقصاء والتهميش التي تنغل في جسمنا الثقافي، ومن هنا جاءت قصصه وأبحاثه متسمة بالابتكار والنضج. ومن هنا أيضا كانت مجالسته إمتاعا واستفادة. وهو ما سنلمس بعضه في هذا اللقاء الذي كان لنا معه نهاية شهر يونيو 1996 بمدينة تطوان، حيث يعمل أستاذا محاضرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة عبد المالك السعدي.

■ مصطفى يعلى

تمكنني صداقتنا الطويلة، من أن أثير معك بعض الجوانب من اهتماماتك لا يعرفها الآخرون، فأنت مولع بالموسيقى وخاصة الكلاسيكية، ومتمرس بالرسم بدليل أنك أنجزت واجهات كتبك وكتاب الأستاذ محمد مشبال (مقولات بلاغية في تحليل الشعر) وكتب أخرى ستصدر قريبا، ومتتبع للسينما وتاريخها واتجاهاتها، فضلا عن إبداع القصة القصيرة، والانخراط في البحث العلمي، وتعاطي النقد أحيانا. فما هو سر كل هذه الاهتمامات؟ وهل يمكن اعتبارها روافد غنية لتجربتك القصصية، دون أن ننسى توترات الواقع المعيش بالطبع؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إشباعا لنهم فطري فيك لكل ما هو متوهج وجذاب؟. ألا تستشعر أن في تعدد الاهتمامات بهذه الكيفية تبديدا للطاقة، والأفضل منه تركيز جهودك في حقل بعينه؟.

◉ محمد أنقار

أتفق معك منذ البدء على تفطنك إلى تعدد اهتماماتي الجمالية وانقسامها ما بين حقول الموسيقى والسينما والرسم والنقد والقصة، كما أتفق معك في اعتبار كل ذلك عاملا من عوامل إغناء تجربتي القصصية دون أن ننسى بالطبع توترات الواقع المعيش. وربما أتفق معك ولو في حدود، في أن مثل هذا التعدد قد يكون فيه تبديد للطاقة. غير أنه على الرغم من هذه الاتفاقات الثلاثة يلزمني أن أكشف حقيقة علاقتي بتلك الحقول جميعها:

لقد عشقت الكتابة في الوقت ذاته الذي عشقت فيه فن الرسم. فمنذ المرحلة الثانوية أقبلت بنهم على كتابة المذكرات الشخصية، كما وجدتني لا أشبع من إنجاز رسوم على الدفاتر وأوراق الدراسة بكل تلقائية. وإذا كنت أستطيع تعليل كتابة المذكرات بإرجاعها إلى تأثير حوافز المراهقة وأول الشباب، فإني لا أكاد أعرف إلى يومنا هذا، من أين تسربت إلي هواية الرسم الذي كدت أن أتخصص فيه وأنقطع له بصورة تامة، فما زلت أتذكر، وأنا طالب بثانوية القاضي عياض بتطوان، تلك الورقة التي ألصقتها الإدارة في سبورة الإعلانات تخبر فيها عن مباراة في الرسم ينتقل الناجحون على إثرها إلى إيطاليا من أجل متابعة الدراسة المتخصصة.

ولست أدري ما الذي صرفني عن المشاركة في تلك المباراة التي كنت سأنجح فيها لا محالة لأني كنت متفوقا في الرسم بشهادة أساتذة المادة. وربما كان سبب ذلك الانصراف قلة الوعي الاجتماعي أو لسمة انعدام التوجيه. ذلك أن جيلنا كان مطاليا بالبحث عن هويته الثقافية والفنية من خلال الممارسة ذاتها دون أن تكون معالم الطريق واضحة أمام عينيه. فالمهم هو أن تقرأ كثيرا وتدمن كتابة الإنشاء، ويكون خطك جميلا، وأن تمارس الرياضة وتختار لنفسك هواية أو أكثر. أما الغايات العملية التي يمكن تحقيقها من وراء كل ذلك فكانت غامضة وضبابية.

إن علاقتي بفن الرسم لم تتعد أبدا مرحلة الهواية إلى مرحلة الاحتراف، ولقد كان يسحرني إمعان النظر الطويل في روائع اللوحات العالمية والتطلع إلى الكشف عن أسرار صنعاتها. لذلك ولجت مدرسة الفنون الجميلة بتطوان وقضيت فيها سنة واحدة أدرس تقنية الرسم بالفحم. كما قضيت سنة أخرى في إحدى دور الثقافة الشعبية درست في أثنائها تقنية الألوان الزيتية على يد الفنان المكي مغارة. ثم تلقيت بعد ذلك دروسا بالمراسلة من إسبانيا والأرجنتين ومصر. وبعد أن فترت لدي سورة الدراسة تقلصت صلتي بفن الرسم إلى متعة مشاهدة الروائع وزيارة المعارض وإنجاز تخطيطات سريعة بين الحين والحين.

كذلك كان مصير علاقتي بالموسيقى والسينما. فبعد طول مصاحبة هذين الفنين، صرت أكتفي بالتأمل النظري والاستماع والمشاهدة دون أن أفكر في الممارسة أو في التعمق التطبيقي في أسرارهما الجمالية. أما علاقتي بالنقد الأدبي أو البحث الجامعي فقد توطدت بحكم مهنة التدريس التي أوشكت أن تبلغ الثلاثين سنة. ولم أكن في يوم من الأيام قد فكرت أن أنشر مقالا أو كتابا في النقد الأدبي.

وما من شك أنك ما زلت تتذكر مناشقتنا النقدية الطويلة في القنيطرة وتطوان، وكيف كانت تظل دائما في حدود المشافهة دون أن تتجاوزها إلى مجال النشر. بيد أن تلقين تقنيات تحليل النصوص للطلبة وتعريفهم بالاتجاهات والمدارس النقدية المتباينة قد جعلاني مع مرور الزمن أستخلص لنفسي جملة من الأحكام والمفاهيم الجمالية التي اضطررت إلى بلورتها في شكل مقالات. ولا أتصور أن تدريس نظرية أرسطو في الدراما لمدة تزيد على خمس عشرة سنة لا يمكنها أن تثمر كتابا أو مجموعة مقالات في النقد الأدبي أوالمسرحي. وقل الأمر نفسه عن تحليل مئات النصوص الروائية والشعرية والملحمية.

ويبقى في الأخير أن أتحدث عن علاقتي بالقصة القصيرة التي أعتبرها الشكل التعبيري الأقرب إلى كياني والفن الذي أسخر كل الفنون الأخرى التي عشقتها وسحرت بصيغها الجميلة. لذلك أعتقد أني لو لم أهتم بالرسم والموسيقى والسينما والنقد الأدبي ما كنت أستطيع كتابة القصة القصيرة بالصورة التي ترتضيها نفسي. فالقص ضرب من ضروب التصوير، وكذلك شأن الرسم والموسيقى والسينما. ولعل هذا التشارك في الماهية الجمالية قد جعلني أرى في كل الفنون حقولا متقاربة مع اختلافات في الأدوات الفنية المسخرة في كل فن على حدة. ولا داعي بعد كل هذا إلى القول إن الأديب تخلقه تجارب الفن وتجارب الحياة معا. وكلما تعددت السياحات في ربوع الفنون كان ذلك مدعاة إلى أن تزداد حساسية المبدع رقة وشفافية.غير أني أعود لكي أتفق معك في القول إن على الفنان أن يتخصص في حقل بعينه حتى يزكو عطاؤه فيه ويتمكن من أسباب الصنعة. ويلزمني أن أعترف بأن المرحلة الطويلة جدا التي لم أنشر فيها قد راكمت لدي مجموعة ضخمة من الرسوم والتأملات والأفكار التي أتمنى أن أتخلص منها بالنشر حتى أتفرغ بصورة شبه تامة لكتابة القصة القصيرة.

■ مصطفى يعلى

هناك شيء آخر خاص كذلك، أرى أن الوقت قد حان لإثارته معك. ذلك أنك بدأت نشر قصصك منذ أواخر الستينات، وكانت انطلاقتك واعدة، لكنك توقفت عن نشر قصصك فجأة قبيل السبعينات، وظللت حوالي العقدين من الزمن صامتا، إلى أن فاجأتنا مؤخرا باستئناف نشر إنتاجك القصصي، وهو أمر يسعدنا طبعا. ترى لمن تعود المسؤولية في ذلك؟ علما بأن أقوالا راجت في حينه معللة هذا التوقف بأسباب شخصية معينة في غاية الحساسية؟.

◉ محمد أنقار

لقد راجت بالفعل أقوال كثيرة حاول معظمها تعليل توقفي عن نشر القصص، ولعل أبرز تلك الأقوال ذاك الذي أرجع سبب التوقف إلى نقد وحه إلي في الصحافة الأدبية في أواخر الستينات. فلقد قيل آنذاك إن تأثري بالنقد قد بلغ بي حدا جعلني أضرب عن النشر. والآن وقد مر على تلك المرحلة أزيد من ربع قرن أود أن أوضح حقيقة الأمر وأقول إن قرار عدم النشر قد اتخذته بمحض إرادتي وبدوافع شخصية دون أن يكون للآخرين أي تأثير مباشر في ذلك.

أما الفكرة التي راجت حول تبرمي من النقد فهي فكرة مختلقة وخاطئة من الأساس. لأن الذين يعرفونني شخصيا يعلمون جيدا أني كنت وما زلت أتقبل النقد بصدر رحب، وأن طريقتي المثلى في التعليم أو في البحث العلمي هي طرائق المناقشة والأخذ والرد والاختلاف. صحيح أني كنت قد اتخذت ذلك القرار وأنا طري العود لم أتجاوز العشرين إلا بثلاث سنوات، وأني أردته في بداية الأمر قرارا مؤقتا. بيد أني انخرطت بعد ذلك بحماس عارم في حقل البحث العلمي وارتميت في مغامرة إعداد الرسائل العلمية. وفي أثناء ذلك كنت أقول لنفسي إني سأرجع إلى عالم النشر بمجرد ما أن أنتهي من تلك المغامرة الشائكة التي أعطيتها كل كياني ووقتي. غير أن مدة المغامرة طالت كثيرا جدا، وطالت معها مدة غيابي عن الساحة الأدبية بالمغرب.

ومن حسن الحظ أني كنت قد انقطعت عن النشر دون أن أنقطع عن الكتابة والمتابعة الأدبية. ففي مرحلة إعداد الرسائل الجامعية لم أفتر عن ممارسة الإبداع القصصي. فقد كتبت روايتين وهيأت ملفا ضخما حول رواية ثالثة، وسودت عشرات القصص، وأنجزت سيناريوهات ومسرحيات قصيرة، ورتبت مئات الأفكار والموضوعات الصالحة كي تكون نويات قصص، وترجمت عن الإسبانية رواية ومجموعة من القصص القصيرة المتفرقة، وعن الفرنسية بعض المقالات النقدية.

كما أن هوسي بالشكل القصصي لم يفتر طوال العقدين المنصرمين، وأنت تعلم جيدا أني كنت أدخل معك في سجال فني طويل كلما أنهيت كتابة قصة قصيرة وعرضتها علي قصد أن أبدي فيها وجهة نظري. ومن حسن حظي كذلك أنني ظللت قريبا من حقل القصة لما أن عهد إلي بتدريس الرواية في الكلية.

غير أنه يلزمني بعد كل هذا أن أعترف بخطإ تقديري العام لعملية النشر، فلقد اعتقدت في مرحلة الصمت أن العودة ستكون هينة، وأنه سيكون من الميسور لدي طبع أي كتاب نقدي أو مجموعة قصصية. بيد أني فوجئت بصعوبات وحواجز عميقة لم تكن في الحسبان، ويكفي أن نضرب لذلك مثلا كتابي (قصص الأطفال بالمغرب) الذي عرقل أحدهم مشره في إححدى مطابع الرباط، ثم قضى بعد ذلك حوالي ست سنوات في إحدى مطابع طنجة دون أن يرى النور إلى الآن. وها أنذا أعاني من تخمة القصص والدراسات المكتوبة التي قد تتأخر بفعل التقادم وتفقد شيئا من بريقها وحيويتها. وربما كان ذلك هو الضريبة التي يتحتم علي أن أؤدي ثمنها نتيجة اختياراتي الشخصية.

■ مصطفى يعلى

لنقترب إذن من عالمك القصصي. يلاحظ قارئ قصصك أنها ذات توجه واقعي، يركز على اليومي لاقتناص الحدث المهمش، كما يتجلى بصورة نمطية في قصتي (العسل الحر) و(صبي الرمانة) من مجموعتك القصصية (زمن عبد الحليم). إلا أن هذا التوجه قد يمتزج مع بعض العجائبية، أو قد يخلي مكانه لعجائبية صرف، مثلما هو ملحوظ في قصة (كلمات الليل) من نفس المجموعة. فإلى أي حد أنت متفق أو مختلف مع هذه القراءة؟ ولماذا؟.

◉ محمد أنقار

هناك بالفعل في مجموعة (زمن عبد الحليم) تناوب أو جمع بين ما هو واقعي وما هو عجائبي بحكم أني لا أكاد أفرق بينهما في مجال التعبير القصصي وأعتبرهما وسيلتين فنيتين متكاملتين لا يمكن المفاضلة بينهما. غير أن هذا الرأي قد يوحي بوجود نوع من التناقض مادام السائد هو أن (الواقعية) قد تكون مرادفة للمادية أو المباشرة في التعبير وأن العجائبية هي عين الخيال أو التخييل. والحقيقة أني لا أرى الأمور على هذه الصورة، وإنما أتعمد إعادة النظر في العديد من المفاهيم السائدة حول الواقعية ثم أشغلها من حيث هي سمة تكوينية غير منفصلة عن التخييل. ومن المنطقي أن الحدث الذي يوصف تجاوزا بأنه واقعي لابد أن يفقد طاقته التقريرية أو أن يتخلى عن مباشرته كلما أخضعه كاتب القصة إلى تحبيك سردي. حينذاك تصبح الحبكة هي الغاية الأساس وليس الحدث الواقعي أو غير الواقعي.

انطلاقا من هذا المنظور يغدو من الصعوبات بمكان تصنيف قصتي (العسل الحر) و(صبي الرمانة) في رتبة القصص الواقعي مادام الحدث المهمش فيهما قد خضع لتحويرات فنية عديدة. صحيح أن القراءة الأولى قد تغري المتلقي كي يربط الحدث ببعض مشاهد الحياة اليومية التي يعاين ما يضاهيها في محيطه الخارجي. ومع ذلك أرى أن الصيغة الفنية المركبة التي قدم بها الحدث في القصتين قد قصد بها صد المتلقي عن طلب المشاهدة أو البحث عن المقارنة مع الواقع الخارجي، ودعوته في الوقت ذاته من أجل القيام بعملية إعادة التركيب. ولا أعتقد أن الحدث الواقعي بعد هذا النمط من الصنعة قد يظل مندرجا ضمن حدود تقاليد الواقعية المادية أو المباشرة. وحتى إذا لم نقبل هذا التعليل، فإني أشك مع ذلك في احتمال وجود قصة واقعية خالصة. وإذا عدنا بذاكرتنا التجنيسية إلى التأمل في نماذج من القصة القصيرة التي كتبها كل من تشيكوف وهمنغواي وكاثرين مانسفيلد على سبيل التمثيل سنجد أن المفهوم الفلسفي أو المذهبي للواقعية قد صرف النقد القصصي لسنوات طويلة عن استشراف الرتب الجمالية والفنية التي تضمنها هذا النمط من الإبداع الذي يحسب قسرا في عداد الأدب الواقعي.

إنني أعتقد أن إعادة قراءة قصة (صبي الرمانة) قد تتكشف للقارئ بوصفها نصا مغرقا في الخيال والتخييل. وربما جرني هذا الاعتقاد إلى مطالبة النقد القصصي لكي يعيد النظر في مختلف وسائل التعبير المألوفة والمتداولة بين المبدعين بما فيها الوسيلة الواقعية.

■مصطفى يعلى

هناك ملحوظة خاصة بالمستوى العجائبي في قصصك، تتحدد في كون هذا القصص يسترفد القصص الشعبي عامة، والحكايتين العجيبة والخرافية خاصة. فقصة (كلمات الليل) مثلا تتشيد على هيكل حكاية فتاة الرماد العجيبة (عايشة رميدا)، بينما تستوحي قصتا (الفيل والنملة) و(مقبرة الفيلة) مناخ كليلة ودمنة الخرافي. فما هو تعليل هذا التركيز على التراث الشعبي استيحاء وتوظيفا؟.

◉ محمد أنقار

في إطار الدعوة السالفة يمكن أن نقول إن العجائبية والخرافية تمثلان إمكانيتين أو وسيلتين تعبيريتين غنيتين استثمرهما الإبداع قديما وما زال يتداولهما إلى يومنا هذا. بيد أن العجائبية أو الخرافية التي أستشرفها في بعض قصصي أريد منها أن تكون متحررة غاية التحرر من القيود الوظيفية التي عرفت بها في مجال التراث الشعبي الإنساني، ومغايرة في الوقت ذاته لأنواع من الحكي الفنطازي المعاصر، على أساس أن أبنيها وفق سمات جمالية مستمدة من السياق القصصي ذاته. فإن كانت الحكاية العجيبة أو الحكاية الخرافية القديمة تقوم على وحدات وظيفية تطرد اطرادا نسبيا أو تصبو إلى ترسيخ قيمة خلقية أو موعظة تربوية، فإن الذي يهمني منها ليست وحداتها أو غاياتها القريبة وإنما سماتها الإنسانية والجمالية العامة التي تستعصي على الانضباط والتصنيف. وإذا توخيت مزيدا من التوضيح قلت إني أطلب العجائبية أو الخرافية من حيث هي سمة جمالية خارقة وليس بوصفها جملة من القواعد أو الضوابط. وتبعا لذلك تصبح العجائبية إمكانية تعبيرية لها خصائصها ومميزاتها الأسلوبية التي تسعف في تصوير بعض المواقف والحالات الإنسانية المخصوصة.

أما اختلافي عن الحكي الفنطازي المعاصر فيتجلى لدي في تحرير المحكي العجائبي أو الخرافي من وحداته الوظيفية ثم تخصيصه بسمات تكوينية بديلة يمليها التحبيك القصصي في كل نص على حدة. أريد أن أقول بكل هذا إن العجائبية لدي هي مطلقة من حيث القواعد والوحدات المتداولة في الأدب الخارق قديما وحديثا، إلا أنها مخصوصة في الآن ذاته انطلاقا من سياق الحبكة القصصية. وربما كان هذا النمط غائبا عن النقد غير الواعي الذي تعامل به أحدهم مع قصتي (الفيل والنملة) التي قال عنها إنها لا يمكن أن تنتمي إلى الحكي الخرافي مادام كتاب (كليلة ودمنة) لا يضم بين دفتيه حكاية حيوانية تجمع بين الفيل والنملة !!.

وأنا أتفق معك في أن قصتي (الفيل والنملة) و(مقبرة الفيلة) تستوحيان المناخ العام لكتاب عبد الله بن المقفع دون أن تكونا ملزمتين بالتقيد بطرائقه البنائية تقيدا حرفيا. أما قصة (كلمات الليل) فقد استفادت استفادة قصوى من حكاية (عايشة رميدا)، ثم حاولت أن تخضع محكيها للسياق السردي لتلك القصة المركبة. وأعتقد بعد هذا أن إشكال التعامل مع الحكي الشعبي يمكن أن نزيده توضيحا لو اختصرناه نقديا في مبدإ (السمات الجمالية)، وذلك أن الوعي السردي المعاصر يقتضي من المبدع أن يستوحي السمات العجائبية والخرافية والأسطورية بدل استيحاء وحداتها الوظيفية أو دلالاتها القريبة.

■ مصطفى يعلى

يلاحظ أيضا أن هناك حضورا لافتا للطفل في قصصك. فهل من دلالة لهذا الحضور على المستويين الذاتي والرمزي؟.

◉ محمد أنقار

إذا عدت مرة ثانية إلى حقل السمات وتوسلت ببعض خصائصه الجمالية أمكنني أن أقول إن المبدع يمكنه أن يعثر في موضوعات الطفولة على منبع فني ثر إن هو تمكن من تحويل تلك الموضوعات إلى سمات طفولية مشعة. وتبعا لهذا النمط من الفهم قد يجد القصاص في طفولته الشخصية أو في طفولة الآخرين المتخيلة أسلوبا تعبيريا يسعف إلى حد بعيد في تحبيك السرد وتجسيد جانب من القيم الإنسانية. ويبدو لي أن من واجب النقد القصصي أن يتفطن إلى الفرق الدقيق القائم بين الطفولة من حيث هي موضوع والطفولية بوصفها سمة جمالية.

فكم من قصة تكتب عن الأطفال تتوخى تصوير بعض اللحظات الجميلة في فترة من فتراتهم العمرية. وكم من قصة تكتب للأطفال بصفتهم متلقين متميزين عن المتلقين الكبار. لكن هناك عدد قليل من القصص الذي يعمد إلى الطفولية من حيث هي سمة مطلقة، تصلح في خطاب كل أصناف المتلقين كبارا وصغارا، وتتضمن في الوقت ذاته رتبا دلالية ورمزية شتى. ومن هذا القبيل قصة (بيتربان) لباريي وقصة (الأمير الصغير) لأنطوان دو سانت إكزوبري.

ويحلو لي استلهام الطفولة من المنظور الموضح أعلاه. فقد يعثر القارئ في قصص (العسل الحر) أو (صبي الرمانة) أو (القطتان والطفل) على الطفولة من حيث هي صفة مطلقة تتداخل فيها المراتب العمرية جميعا، وتتشابك ضمن حدودها القيم، ويستعصي على الناقد أن يصنف ماهيتها الإنسانية. صحيح أني قد استفدت في هذا المضمار من تجاربي الذاتية إلا أن تعاملي الطويل مع أدب الأطفال قد زكى لدي، إضافة إلى ذلك، هذه القناعة الجمالية.

■ مصطفى يعلى

تسلمنا النقطة الأخيرة إلى إلحاح اهتمامك بالطفل حتى على المستوى الأكاديمي. فقد حطمت التعالي المعهود في جامعتنا على أدب الأطفال، عندما أنجزت رسالتك (فن قصص الأطفال بالمغرب 1947 ـ 1979) لنيل دبلوم الدراسات العليا تحت إشراف صديقنا المشترك الدكتور إبراهيم السولامي. وقد تصدت هذه الرسالة إلى مجموعة من الإشكالات العامة والخاصة لهذا اللون من الأدب. فهلا حدثتنا عما حققته على المستوى المصطلحاتي والمفاهيمي وطرائق التعامل مع هذا القصص وما استطاعت الرسالة التوصل إليه من تمييز بين قصة الصغار وقصة الكبار، من حيث العناصر الجمالية الأساسية والأشكال البارزة وأنواعها ووظائفها، دون إغفال للمناخات والروافد التي نشأت وترعرت في رحابها قصص الأطفال بالمغرب.

◉ محمد أنقار

لقد أحسنت التعبير عندما وصفت رسالتي للدبلوم بأنها عملت على تحطيم التعالي المعهود في جامعتنا تجاه أدب الأطفال. بيد أني كنت أحلم بأن يكون تأثيرها أعمق بكثير في ثقافتنا المغربية المعاصرة لو كان قد قيض لتلك الرسالة أن تعرف الطريق إلى النشر، إذ في مثل هذه الحال ما اضطررت للحديث عنها وعن نتائجها العلمية بنفسي.

لقد حاولت في ذلك العمل الجامعي أن أنقل مجموعة هائلة من الإشكالات الجمالية من مجال قصص الكبار وأعمل على تأصيلها في ميدان نقد قصص الأطفال بكل ما في كلمة (تأصيل) من معان. وعندما شرعت في مقاربة هذا الموضوع الشائك لاحظت أن الدارسين الذين سبقوني في هذا الحقل قد تحدثوا عن مكونات قصص الأطفال وبنياتها من زاوية نظر أدب الراشدين.

فتكلموا عن الحادثة القصصية مثلا أو الحبكة والفضاء دون أن يستحضروا خلال ذلك مجموع شروط التلقي لدى القارئ الصغير. لذلك اضطررت إلى أن أبدأ من الصفر، وأعالج بعيون طفولية كل مكون من مكونات القصة وكل تفصيل بنائي من تفاصيلها وكل نوع أو شكل من أشكالها. وحيث إن الرسالة كانت تتعلق بقصص الأطفال بالمغرب، فقد لزمني أن أستخرج من لاشيء تاريخا مغربيا لتلك القصص من بداية القرن إلى نهاية السبعينات، وأ ضبط أسماء كتبه ومجلاته وجرائده وإحصائياته، حتى إذا ما انتقلت إلى القسم التطبيقي قمت بمغامرة جديدة تمثلت في اقتراح خطة نقدية تسعف في تحليل قصص الأطفال لأني وجدت النقد الأدبي يشكو من فراغ خطير في هذا الجانب.

ولقد بدا لي في أثناء اشتغالي بهذا الموضوع أن قصص الأطفال يمثل إشكالات جمالية عويصة يتحاشى منها النقد الجامعي وغير الجامعي. من ذلك على سبيل المثال أننا عندما نصدر أحكاما حول بنيات السرد القصصي في المغرب نستحضر السرد الموجه للراشدين، ونغيب ذاك الذي يخاطب الصغار والفتيان، الشيء الذي يجعل تلك الأحكام أحكاما ناقصة إن لم نقل عنها إنها خاطئة. وكذلك شأن بعض القضايا النقدية الدقيقة التي نعتقد جهلا أو سهوا أن تجلياتها في النصوص السردية الموجهة للأطفال لاضطررنا إلى إعادة النظر فيها وفي طرائق معالجتها نقديا.

وعلى كل حال كنت أتمنى لو تكفل غيري بتقييم هذا العمل المخطوط والحكم عليه، ولا يسعني في هذا الصدد إلا أن أبدي إعجابي من الطريقة التي يمكن أن يكون قد حصل بها الباحث عبد الهادي الزوهري على نسخة من هذه الرسالة المرقونة وعرف بها واختلف معي في بعض نتائجها دون أن يكون لي به شخصيا سابق معرفة.

■ مصطفى يعلى

ومادمنا بصدد البحث الأكاديمي، فقد راهنت في أطروحتك (بناء الصورة في الرواية الاستعمارية) المنشورة مؤخرا على نقل الاهتمام بالتناول النقدي للصورة الفنية، من حقل الشعر إلى حقل الرواية. فإلى أي حد أمكن تحقيق الهدف من هذا المشروع، خصوصا وأننا نجد أنفسنا في مواجهة صعوبة قراءة جنس الرواية بآلية جنس آخر هو الشعر؟ وأية صورة حملتها الرواية الاستعمارية الإسبانية عن المغرب والمغاربة؟ وهل يمكن بعد هذه المغامرة العلمية، ترسيخ الصورة الفنية معيارا للنقد والإبداع الروائيين، له فاعليته الجمالية في التكوين النصي الروائي وضمن الإنشائية المقارنة بالذات؟.

◉محمد أنقار

إني أرتاح كثيرا إلى تسمية عملي في كتاب (بناء الصورة في الرواية الاستعمارية) بالاقتراح النقدي أو المغامرة النقدية أو العلمية كما أسميتها أنت بدل المشروع، مادامت محاولتي المتواضعة لا ترقى إلى البناء النقدي المتكامل. ومع ذلك تكمن طرافة هذا الاقتراح في العمل على نقل الاهتمام بالصورة من مجال الشعر إلى مجال الرواية.

ولأول وهلة يمكن أن يقول قائل: وما جدوى هذا النقل؟ أو أن يتساءل: عن أصالة هذه الخطوة أو عدم أصالتها. ويمكنني أن أرد على ذلك بأن الأمر لا يتعلق بنزوة شخصية أو افتراض مجاني؛ وإنما يتجاوزهما لى نطاق الحقيقة الإنسانية ذاتها. ذلك أن الناقد الأدبي عندما يتوه عن القصد الذي يرومه المبدع في نصه الأدبي، يكون بذلك قد فوت على نفسه وعلى قارئه فرصة ثمينة من أجل أن نزداد وعيا بذواتنا وإدراكا لحقيقتنا الإنسانية بواسطة الأدب. لذلك فالنقد الأدبي ليس لعبا أو ممارسة غير مسؤولة. وإنما هو في رأيي نهج يسعف في فهم ماهية الإنسان الذي أبدعه الله وبث في أعماقه ملكة الإبداع. ولذلك كان نقل الإشكال الجمالي من جنس أدبي إلى جنس آخر مساهمة بشرية متواضعة تزيد في تخصيص مهمة الناقد وفي الاقتراب حثيثا من طبيعة هذا الكائن البشري المميز.

ويبدو لي أن تحقيق الغاية من هذا الاقتراح النقدي لن يظهر الآن وإنما سيستغرق بعض الوقت مادام اقتراحا لا يساير الإشكالات المألوفة والمطروحة في ساحة نقدنا السردي، ومادام نقادنا يأبون كما هي عادتهم، أن يهتموا بأي اقتراح فكري أو مغامرة ثقافية تخرج عن حيز الموضة المتداولة، أو تصدر عن أحد غير معروف. ومع ذلك أنا واثق إلى حد بعيد من قدرة هذا العمل على تحقيق الغاية التي توخيتها منه لأنه اقتراح مستمد من صميم التجربة الإبداعية ومستخلص من رحيق السرد ذاته، يروم تصحيح بعض طرائقنا في التعامل مع النصوص الروائية.

ومن حسن الحظ أن إقدام الصديقين رضوان العيادي ومحمد مشبال على ترجمة كتاب ستيفن أولمان (الصورة في الروائية) يعد بمثابة تزكية قوية لهذا الاقتراح وتدعيما لموقعه في المضمار النقدي، أضف إلى ذلك تلك المجموعة من الرسائل الجامعية التي تعدها ثلة من الباحثين في هذا السياق ذاته. بيد أنه لا يكفي أن تكون مقتنعا بالرؤيا المنهجية التي تصدر عنها، وإنما تحصل الصعوبة في حتمية أن تقنع الآخرين بتلك الرؤيا دون أن يعتريك في ذلك أي فتور.

وفي هذا السياق تندرج بعض المقالات النقدية التي أنشرها بين الحين والحين إمعانا في توضيح القصد بمصطلح الصورة الروائية الذي يسعف بقدر كبير في التغلغل إلى الكون الروائي والكشف عن بعض أسراره. وليس خافيا عن أحد أن تحليل النصوص يعتبر أبرز إشكال يواجهنا نحن المشتغلين بحقل التعليم، ومع ذلك يطيب لنا أن نضيع كثيرا من الوقت في تجريب الخطط والمناهج التي تبعدنا عن مواجهة النص المحلل مواجهة حقيقية على الرغم من معرفتنا المسبق بوقوع تلك الخطط والمناهج خارج الدائرة الجمالية للنص. وفي رأيي أن مثل تلك المواجهة قلما تحققت في تاريخ النقد الأدبي إلا في حالات نادرة جدا، في حين تعودنا أن نجرب الأداة أو الخطة أو الرؤية الجزئية ولا نكاد نلتف إلى الطبيعة العميقة للتكوين الجمالي ذاته.

والواقع أن كتابي (بناء الصورة في الرواية الاستعمارية) لم يعالج كل هذه القضايا النقدية معالجة حاسمة ويقدم لها حلولا نهائيا؛ وإنما حاول أن يثير الانتباه إلى خطورتها انطلاقا من إشكال موضوعي محدد هو صورة المغرب في الرواية الإسبانية خلال عهد الخماية، وانطلاقا من تقاطع النقد الأدبي بالأدب المقارن. وقد انتهيت في ذلك إلى أن صورة الآخر عندما لا تحبك فنيا فإنها لا تكاد تقنع حتى صاحبها فبالأحرى أن تستميل القارئ الأجنبي المحايد. لذلك كان اهتمامي بالطابع الجمالي لصور المغربي في الرواية الإسبانية، وكيف أن معظم تلك الصور قد تسرب إليها الاختلال في التعبير وعدم الانسجام في تشغيل المكونات والسمات.

وأود أن أقول في الأخير إن محاولتي المتواضعة تبقى في حاجة ماسة إلى مزيد من النقاش والتحاور العلميين حتى يتسنى لنا جميعا المساهمة في مواجهة النص الأدبي مواجهة فيها قدر من الاجتهاد الذي يتحاشى من تكرار المقولات والخطط الجاهزة.

 

* مجلة (مجرة)، ع. 2، 1 يوليو 1996

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *