عبد الغني الدهدوه : ” الناس يحبون الرسام الذي يبذل مجهودا ذهنيا في أعماله ” / حاورته : أسماء التمالح

فنان مغربي عاشق لفن الكاريكاتير، اشتهر بممارسته له، يرى في مسقط رأسه طنجة مدينة ملهمة للفنانين، ويعالج مواضيع أعماله الفنية بطريقته الخاصة. السخرية في منظوره الشخصي ليست مسألة تُتقمّص أو تُتصنّع بل متأصلة في طباع الإنسان، يطور أسلوبه في الرسم من خلال استعمال أدوات التقنية الحديثة، والجوائز بالنسبة له شهادات تقديرية للفنان ومحفز له أهميته.

إنه الفنان المتميز عبد الغني الدهدوه، تشرفنا باستضافته وكان لنا معه الحوار التالي:

كيف يقدم عبدالغني الدهدوه نفسه؟

ـ عبدالغني الدهدوه، فنان مغربي من مواليد طنجة 1974 عاشق لفن الكاريكاتير وممارس له، عمل في عدة صحف محلية ووطنية، وحائزعلى جوائز دولية في ميدان الكاريكاتير منسق عام الملتقى الوطني للكاريكاتير والإعلام، ورئيس مؤسس للجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتير ويعمل بيومية المساء المغربية..

 هل لمدينة طنجة من تأثير عليك باعتبارها مسقط رأسك؟

كانت طنجة على الدوام تشكل مركز جذب للعديد من الفنانين الأجانب الكبار ومعظمهم اتخذها مكانا للمكوث والإستقرار لقد تأثروا بها كمكان ملهم وساحر وفيه ضوء متفرد وعبق تاريخي خاص، وكانت توصف في أدبياتهم بمنجم زاخر للموضوعات الفنية، طنجة مدينة ملهمة للفنانين..

 يوحي مظهرك بأنك إنسان جدي إلى حد كبير، من أين لك بالجانب الساخر في عملك أو بمعنى آخر من أين تستنبط السخرية في إبداعاتك الفنية؟

ـ في معظم الأحوال، أنا لا أضع السخرية هدفا أساسيا في أعمالي، بل أحاول قدر الإمكان أن أفكر في الموضوع الذي أريد معالجته بطريقتي فقط، وهدفي الأساس هو أن أعبر عنه بشكل يجعل القارئ يتأثر ويتفاعل، ويعبر عن دهشته، وأثناء تنفيذ الرسم قد تظهر بعض سيمات السخرية، وعموما السخرية ليست مسألة نتقمصها أو نتصنعها، بل هي شيء أصيل في طباع الإنسان، إما أن تكون أولا تكون، وهذه السخرية التي تتواجد في الشخص قد لايوحي دائما مظهره الخارجي عليها، وأحيانا نجد أن الشخص الساخر يوحي مظهره بعكس ذلك تماما، وأتذكر دراسة أجريت في مصر منذ سنوات خلت، كانت قد خلصت إلى أن معظم رسامي الكاريكاتير هناك متجهمون على مستوى تعابير الوجه وتقاسيمه، مما يدل على هذه المفارقة العجيبة، ونحن غالبا، ما نجد أن الشخص القادر على إضحاكنا هو في الأصل قليل الضحك..

 ما المقصود بالصحافة الساخرة؟ وأين يلتقي فن الكاريكاتير بالصحافة؟

ـ الصحافة الساخرة هي ذلك النوع من العمل الصحافي الذي يعتمد أسلوب السخرية والهزل والإضحاك كوسائل للتعليق على الأحداث والظواهر الإجتماعية والسياسية وغيرها وتحليلها.. وفن الكاريكاتير منذ أن انضم إلى الصحافة وأصبح جزءا منها استطاع أن يحقق لنفسه داخلها موقعا مميزا، وسطوة كبيرة نظرا للخصائص التي تتوفر فيه دون غيره، ذلك أنه يستطيع التعبير عن ما يمور به المجتمع بأسلوب ذكي يمرر ما يريد إيصاله يسلاسة و فعالية كبيرة دون أن يفصح عن ذلك بشكل مباشر، فما تضمره الصورة الكاريكاتورية لاتفصح عنه هذه الصورة بشكل مباشر، الأمر الذي جعل منه وسيلة للتعبير تجمع بين البلاغة والفعالية الكبيرة في تمرير ما يراد تمريره..

 بين الصحافة والتشكيل أين يتموقع الكاريكاتير؟

الكاريكاتير تعبيرتشكيلي، وولوجه مجال الصحافة حوله إلى حامل للرسائل والأفكار ذات الطابع الصحافي، أي أنه تحول إلى وسيلة للتعبير والتعليق على الأحداث اليومية والوقائع المتسارعة التي تعبر حياة الإنسان في كل لحظة وحين، الأمر الذي ألبسه لبوس المادة الصحافية، وغني عن الذكر هنا أن انتساب الكاريكاتير للصحافة قد أثر فيها إيجابيا وحوله إلى مادة تحظى بالشعبية الكبيرة وحب الجمهور الواسع، فلو لم ينتسب الكاريكاتير للصحافة لظل معلقا على جدران المعارض والمتاحف تشاهده نسبة محدودة من المهتمين بالفنون التشكيلية..

 فن الكاريكاتير والتطور التكنولوجي، هل يفضل الفنان الدهدوه الريشة التقليدية أم الريشة الرقمية ولماذا؟

من خصائص العمل الصحافي السرعة في تحرير مادته ونشرها في وقت قياسي، وهذا ما جعل من الريشة الرقمية خير وسيلة لمساعدة الفنان لتتبع الأحداث المتسارعة وربح الوقت.. بالنسبة لي أستعمل لوحا إلكترونيا منذ سنوات، وأحاول أن أطور أسلوبي في الرسم من خلاله، التقنية الحديثة أتاحت هذه الفرصة الكبيرة وأصبح الأمر لايقتصر فقط على الكاريكاتير بل أيضا يشمل اتجاهات أخرى داخل إطار التشكيل، لكننا لانغفل أيضا ذكر بعض السلبيات في هذا الإتجاه، بحيث نرى أن أصول الأعمال غير موجودة والرسوم معرضة للتلف، لأنها عبارة عن ملفات رقمية قد يدمرها أصغر فيروس في الكومبيوتر وتصبح في خبر كان..

يخلط الناس بين الكاريكاتير والأشرطة المرسومة ربما لتشابهها، كيف يمكن التمييز بين الفنين، ومتى نعرف أننا أمام لوحة فنية كاريكاتيرية وليس لوحة من فن الشريط المرسوم؟

نتحدث اليوم عن فن اكتملت حلقات التنظير حوله، وأعني بهذا الخصوص الرسم الذي توظفه الصحافة الورقية والمرئية، وهو فن متشعب ومتنوع وله أصناف وروافد منها الرسم التعبيري أو الذي تصاحبه بعض التعليقات المقتضبة ويدعى الكرتون أو الكاريكاتير وهناك أيضا الرسم التوضيحي الذي يصاحب المقالات وهو أيضا يعد صنفا من أصناف الكاريكاتير وكذلك الشريط الساخر المرسوم الكومكس ستريب وهي شرائط ساخرة تنشرها الصحافة وتختلف عن الشرائط غير الصحافية والتي تسمى شرائط القصة المصورة أو الرواية المصورة أو الكوميكس، ونجد أيضا فن البورتري الكاريكاتوري الذي يعتمد المبالغة في رسم ملامح الوجه والذي تنشره الصحافة.. إذن نحن أمام أصناف متعددة يطلق عليها الناس إسم الكاريكاتير لكن النقاد والفنانين والمهتمين يستطيعون التمييز بينها وتصنيفها..

نعلم أنك ترسم رسما كاريكاتوريا يوميا بجريدة مغربية، ماهي صعوبات الإبداع بشكل يومي؟ وهل يمنح لك اختيار المواضيع التي تشتغل عليها أم أنك ملزم بوحدة موضوع تفرضها عليك الجريدة؟

لاتفرض الجريدة أي شيء، وأنا من يختار الموضوع الذي أنوي معالجته بالرسم، وأتصرف ياعتباري عضوا في هيئة التحرير بحيث أبحث عن موضوع يحظى بانشغال الناس لأضع عليه لمستي الخاصة، الناس عموما يحبون الموضوع الساخن، المطروح في لحظته، ولا يهتمون كثيرا بالموضوعات الأخرى مهما كانت ذات قيمة، غير أن الرسام عموما يمر بأوقات لايجد فيها موضوعات جيدة للرسم، وهذا الأمر يعرفه ويتعايش معه حتى الصحافي أو كاتب الإفتتاحية، ثم إن العمل اليومي يتطلب إيقاعا سريعا ومتواصلا من البحث عن الأفكار المبدعة والجيدة الأمر الذي يصعب تحققه كل يوم، لذلك يتأرجح الفنان الكاريكاتوري بين فكرة جيدة وأخرى أقل جودة..

 كيف تتعامل الأجهزة الرسمية مع الكاريكاتير؟ وهل هناك خطوط حمراء لايجوز تخطيها؟

ترتبط المناطق المحظورة نسبيا على الرسام في المغرب بشعار المملكة الثلاثي: الله الوطن الملك، وهذه المناطق قد تضيق أحيانا أو تتسع حسب الأوضاع السياسية والإجتماعية التي يمر بها البلد، وعموما هناك مرونة متبادلة بين السلطات والرسام في التعامل مع الرسوم في المغرب، بحيث يتحاشى الرسام الإقتراب كثيرا من الخطوط المرسومة وتترك السلطة الرسام يوجه سهام نقده للحكومة وقضايا الشأن العام.. ولاشك أن المغرب يحتاج إلى المزيد من العمل لكسب مساحة أكبر على مستوى حرية التعبير

 كيف هو تفاعل المتلقي مع فنك؟ وهل تلمس أنه يفهم لغتك الفنية في أبعادها المختلفة؟

أتاحت لنا مواقع التواصل الإجتماعي التعرف على جزء هام جدا من المتابعين، بل وأتاحت أيضا التعرف على أمزجتهم الفنية واختياراتهم ونوع ردود أفعالهم على أعمالنا، الأمر الذي يقدم خدمة للفنان لم تكن متوفرة قبل خلق هذه الفضاءات. بالنسبة إلي أفاجأ دائما بحجم التجاوب الإيجابي مع أعمالي على الرغم من كون معظمها بدون جمل توضيحية وفيها فكرة مركبة، لقد تعود القارئ على أفكاري وأسلوبي وأضحى ينتظر نشرها ليتفاعل معها، القارئ المغربي ذكي ويحب الأعمال التي تحترم نباهته ويعشق الأعمال المتفاعلة مع الأحداث والوقائع المطروحة بشدة في أوانها ولحظتها..
لطالما كنت أتساءل، في البدايات عن نوعية القراء الذين يجب أن أتوجه إليهم برسوماتي وكنت أجد أن هذه النوعية من الرسومات يجب أن يكون متلقيها من العينة التي تعرف كيف تقرأ بعض الرموز وتتعامل بشكل جيد مع الصورة، لأفاجأ في النهاية أن لي جمهورا واسعا على منصات التواصل، الناس يحبون الرسام الذي يبذل مجهودا ذهنيا في أعماله..

 فزت بالعديد من الجوائز : درع الشرف في جائزة قطر دورة 2012 والجائزة الثانية في جائزة “شيرينغول” الصينية.. ماذا تعني الجوائز بالنسبة للدهدوه؟

الجوائز بالنسبة إلي تعد شهادات تقديرية للفنان، ومحفزا له أهميته، أن يفوز رسام مغربي في جائزة عالمية يشارك فيها فنانون ينتسبون إلى بلدان عريقة في فن الكرتون فهذا يعني أن المغرب الثقافي حاضرعلى الخريطة ويتحرك ويضرب له حساب.. صحيح أن هذا الفن يوضع على الهامش في المجال الثقافي المغربي ولازال يعد من المناطق المجهولة لأنه فن ناقد ومشاغب وغير مهادن، ومع ذلك وحتى وهو في وضع نبتة الحائط إلا أنه يحقق وجوده عبر نضاله وصبر فنانيه، و تتويجهم ببعض الجوائز هنا وهناك يؤكد هذا الأمر..

حدثنا عن الجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتير؟ عن دواعي نشأتها وأهدافها؟

لم تتوقف محاولات تأسيس جمعية لرسامي الكاريكاتير المغاربة منذ ثمانينات القرن الماضي، إلا أن تلك المحاولات لم تكلل بالنجاح لأسباب مختلفة، ونحن كجيل حاولنا أكثر من مرة ولم نتوفق في هذا المسعى، إلى أن أسسنا مؤخرا هذا الإطار الذي نتوخى من خلاله جمع شمل فناني الكاريكاتير وتنظيم عملهم والتقدم به من أجل ترسيخ عمل كاريكاتوري مهني واحترافي ، وصون الأعمال التي تذهب سدى دون أرشفتها والإحتفاظ بها مما يضيع على الأجيال القادمة فرصة التعرف على التجارب التي سبقتها في هذا المجال.
الجمعية المغربية لرسامي الكاريكاتير وإن كانت حديثة التأسيس إلى أن الرهان عليها كبير، ونتمنى أن نتمكن من تحقيق أهدافها النبيلة والتي ستكون في صالح المنظومة الثقافية المغربية بشكل عام..

 لماذا تغيب المرأة في المشهد الكاريكاتوري المغربي؟

ندرة العنصر النسائي في المشهد الكاريكاتوري لايقتصر على المغرب فقط وإنما يشمل العالم كله، ورسام الكاريكاتير عملة نادرة حتى في أوساط الرجال، وهناك إحصائية كنت قد قرأت عنها شملت منطقة الشام كانت قد خلصت إلى أن في كل مليون نسمة يوجد رسام كاريكاتير واحد..
في المغرب هناك رسامات للكاريكاتير منهن من شقت طريقها بنجاح مثل الفنانة المرموقة الصديقة ريهام الهور، وهي الآن رسامة محترفة تشتغل في الصحف المغربية، وهناك مواهب تحتاج فقط إلى التشجيع والأخذ باليد.. المغرب لا تعوزه المواهب ولكن تعوزه الوسائل والإرادة لتشجيع مواهبة الواعدة

 ما الذي نجح في تحقيقه الملتقى الوطني للكاريكاتير الذي ينظم بشفشاون؟ هل انت راضي على النتائج؟ وهل من إخفاقات مسجلة؟

أشياء كثيرة حققها ملتقى شفشاون للكاريكاتير منها نجاح الملتقى نفسه والذي يعد نجاحا ضمنيا لحركة الكرتون داخل المغرب، بحيث أضحى منبع إشعاع ومحطة سنوية كبيرة يحج إليها العديد من المهتمين والفنانين والنقاد والجمهور، بالإضافة إلى أن الملتقى يسلط الضوء على الحالة العامة للكاريكاتير المغربي من خلال التغطية الإعلامية الكبيرة التي تحظى بها فعالياته، فضلا عن اللقاءات البينية بين الفنانين والتي تسهم كلها في تطوير فن الرسم الصحافي بالمغرب، وأكاد لاأسجل أي إخفاق يذكر فيما يتعلق بهذه التظاهرة المحبوبة لدى الجميع، فليس هناك من سلبيات حقيقية يمكن للمرء أن يقف عندها مقارنة مع الإيجابيات الكبيرة التي حققتها هذه التظاهرة الفريدة من نوعها على الصعيد الوطني.

 نسمع بالجائزة الوطنية للصحافة المغربية ولانسمع عن جائزة تخص صنف الكاريكاتير ضمن الأصناف الصحافية لماذا؟

صنف الكاريكاتور كان موجودا في الجائزة الوطنية للصحافة المغربية ولكن تم حذفه دون تقديم توضيحات للأسف، وعموما هناك بعض الإشكالات العالقة والتي يجب العمل مع الجهات الرسمية لحلها ومنها بعض الشروط الخاصة بالجائزة والتي تتطلب توفرها في رسام الكاريكاتير مثل بطاقة الصحافة التي لايتوفر عليها سوى قلة من الرسامين الذين يشتغلون في منابر بشكل قار، وإذا كانت الغاية هي تشجيع الفنان على العطاء فمن الأنسب لهذه الجائزة أن تعدل بعض بنودها التعجيزية حتى يتسنى للجميع المشاركة لأن ليس كل الفنانين يعملون في المنابر بشكل قار ومتواصل، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى عالقة ننتظر أن نناقشها مع الجهات الرسمية لتصير الجائزة متاحة أمام الجميع..

 عبدالغني الدهدوه يرسم البورتريهات الساخرة، هل سبق وغضب منك صاحب بورتري معين وكيف عالجت الأمر؟

أعرف أن الكثيرين لايحبون أن ترسم لهم صورة كاريكاتيرية فيها هجاء لملامحهم، ولكن لم يحدث أن قام أحدهم بمواجهتي بذلك، عموما بدأ المغاربة يتفهمون أن تظهر لهم صورة كاريكاتورية، خصوصا الذين يتقلدون مناصب المسؤولية، وهم يفعلون ذلك، تماهيا مع مايحدث في البلدان الغربية، لأن من شأن الرفض العلني أن يعرضهم لما هو أسوأ، ثم إن ماينشر على مواقع التواصل من صور ساخرة جعل الناس يطبعون مع الهجاء الكاريكاتوري ويعتبرونه ضريبة من ضرائب تقلد المسؤولية، وإن كان هذا يحدث عندنا بشكل بطيئ ومحتشم، ولقد أسر لي صديق بلجيكي أنهم في بلجيكا يشتري المسؤول صورته الكاريكاتورية مهما كانت جارحة لإعطاء الإنطباع أنه صاحب عباءة واسعة و يتقبل النقد الكاريكاتوري الحاد..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *