امرأة منتهية الصلاحية !! / بقلم : أسماء التمالح

تتجه مجتمعاتنا نحو تسليع المرأة، ووضع مدة صلاحية لها وفق عمرها ما بين صغيرة وكبيرة، ووفق مدة العشرة التي تجمعها بزوجها تحت سقف واحد، ووفق ما تتوفر عليه من مؤهلات وقتية تكون السبب في حظوتها بمرتبة ما، حتى إذا ما قلت أو اختفت في فترة معينة بفعل مؤثرات خارجية، تعرضت هذه المرأة بشكل مباشر للإقصاء والتهميش.

عهدنا تحديد مدة الصلاحية في البضائع المعروضة للبيع وفي المواد الإستهلاكية التي نتناولها، وفي الأدوات والمعدات التي نستخدمها ونلجأ لاستعمالها عند الحاجة، وفي المنتوجات المعرضة للتلف مع مرور الوقت، ولم يندرج الإنسان قط في خانة هذه الأشياء على اعتبار أن الله عز وجل كرمه وعززه، ومنحه مكانة منزهة عن أي تبخيس أوتقليل قيمة، وقد تحدث – جل جلاله – عن هذا في كتابه العزيز ( القرآن)، وتولت سنة الحبيب المصطفى صلوات الله عليه وسلامه التوسع فيه وشرحه وتوضيحه.

تغزر الصور والمشاهد المشينة التي تهين المرأة وتجرح كرامتها في مجتمعاتنا، والتي تكرس لمبدإ تشييء المرأة وجعلها أداة يسهل التخلص منها بمبررات تعود لاعتبارات الزمن، وكأن الزمن يمر على المرأة لوحدها دون باقي الكائنات الأخرى، فتحاسب عليه وتعاقب كما لو هي المذنبة والمقصرة والمسؤولة الأولى عن تمريره في المفيد وغير المفيد.

امرأة منتهية الصلاحية هي امرأة لم تعد تستأثر باهتمام الغير، امرأة لم يعد لها الحق في الحصول والاستمتاع بما هو مخول لغيرها من النساء اللواتي يصغرنها سنا، امرأة متجاوزة تدار لها الظهور فقط لأنها كبرت سنا والإنسان كله يكبر، أو لأنها أصيبت بمرض أو عجز أو إعاقة وكل الناس معرضون للأمراض والحوادث والآفات، امرأة بدل الوقوف بجانبها والتمسك بها أكثر من أي وقت مضى، يتم التخلي عنها وتركها لوحدها تواجه سوء المصير وقسوة الظروف دون سند أو معين غير الله سبحانه وتعالى.

مجتمعيا .. حظوظ الفتاة التي قاربت الثلاثين أو تجاوزتها بسنوات في الزواج ضئيلة إلى شبه منعدمة، سيما إذا تعلق الأمر برجل أعزب، وللمرأة هنا خيار القبول بأرمل أو مطلق معه أولاد توكل إليها مهمة العناية بهم، أو أن تظل بدون زواج، لكون مدة صلاحيتها قد انتهت، ومن يتقدمون إليها بطلب القرب إنما إشفاقا على حالها وإحسانا منهم لا لجمالها ولسواد عيونها.

كذلك شأن المرأة التي عمرت طويلا مع زوجها، فخانتها صحتها أو فقدت جزءا منها بفعل حادث معين أو مرض مفاجىء بعد طول تضحية وعطاء لا محدود من أجل عش زوجي مستقر، ما يلبث أن يكبر أبناؤها أو يتزوجوا أو يغادروا بيت الأسرة باتجاهات مختلفة بحثا عن ذواتهم ومستقبلهم، حتى يهرع الزوج إلى البحث عن زوجة جديدة يستبدل بها الأخرى القديمة التي أعيتها المتاعب وصارت غير قادرة كما الأول على القيام بما كانت تقوم به سلفا من واجبات.

إنه لمن المؤسف للغاية، أن تقف على حالة زوجين قضيا صحبة بعضهما عقودا متتالية من الزمن، لم تبخل طيلتها المرأة بما تملك من جهد وقوة وإخلاص وتفان في العمل، ليكون جزاؤها في النهاية الإهمال واللجوء إلى تطليقها أو هجرانها أو تركها معلقة بدون نفقة أو رعاية واعتناء بمتطلباتها وقد تحسن الوضع الإقتصادي للزوج، وصار مؤهلا ماديا لتوفير الكماليات وليس بالكاد الصراع من أجل تحقيق الضروريات كما ذي قبل.

إن الخوف من الوقوع في النتائج المؤسفة التي تنبثق عن اعتبارات الزمن، يدفع بالكثير من العائلات إلى عرض بناتهن للزواج في سن صغير، مع إجبارهن عليه متى بدأت البنت تتقدم شيئا فشيئا في العمر، مستعملين عدة طرق لتيسير العملية، أغلب هذه الطرق تكون مهينة للمرأة وحاطة من قيمتها، تلغي شخصيتها وتلزمها بالقبول حتى وهي غير راضية في قرارة نفسها عن شكل هذا الزواج والطريقة التي يتم بها، لكن الأمر بنظرالعائلة يظل أهون من أن تنعت ابنتهم ب ” العانس” مستقبلا، وإن كان هذا اللفظ لا يقر به إلا المتخلفون والجاهلون بطبيعة الحال.

مجتمعيا .. من حق الزوج أن يبني حياته من جديد مع امرأة أخرى صغيرة سنا وأكثر شبابا، حتى وقد تجاوز هو فترة الشباب بسنوات ضوئية، وليس من حق المرأة أن تفعل ذلك لأنها تدخل في خانة العيب والعار، ثم إنها امرأة يفترض فيها أن تخجل من نفسها وتصبر على واقعها وتقبل بالكآبة التي تحاصرها، على عكس أخيها الرجل، وهذا ما يدفع بعضهن إلى التمرد على كل الأعراف والتقاليد، وإلى القصاص من حاملي الأفكار العنصرية التي تنتصر للجانب الذكوري وتقصي العنصر النسائي، فيعمدن هن أيضا إلى تحديد مدة صلاحية للرجل، بناء على المصالح والأغراض التي تقضى من ورائه، ومن بعد يتم التخلص منه تماما كما يفعل بالمرأة .

فخوفا من أن يتخلى عنها الزوج ويستبدلها بامرأة أخرى أو يعدد عليها، وهو في ظروف اقتصادية تؤهله لذلك، تلجأ بعض السيدات المتزوجات إلى الصيغة الانتقامية، عن طريق إغراق أزواجهن في الديون والقروض البنكية منذ أول فرصة متاحة، في محاولة منهن لتقييدهم وتوريطهم وعدم منحهم فرصة للتفكير في الزواج مرة أخرى وهم المديونون المطالبون بالتسديد، كما أنهن لا يؤمن بشيء اسمه التضحية أو التوفير والادخار، يعشن حياتهن بالطول والعرض، يستمتعن وينفقن بإسراف دون ترك فرصة للزوج بأن يحلم بزواج ثان، مادامت ظروفه المادية تعرف نوعا من التوتر وعدم الاستقرار.

إذا كان تحديد مدة صلاحية للمرأة أمر لا يليق، ويضر بمصلحتها ويجرح كرامتها باعتبارها إنسانة، فإن مثل هذه التصرفات التي تقبل عليها بعض العائلات وكذا الزوجات المنتقمات تظل مرفوضة ولا تليق هي الأخرى، بحيث أنها في الأولى تؤذي الفتاة أكثر ما تخدمها، وفي الثانية تتسبب في الإضرار بالزوج وهي تحمله فوق ما يستطيع كي يظل لها لوحدها .

امرأة منتهية الصلاحية لا يقول بها الأصلاء، ولا يعمل بها ذوو المروءة والشهامة، والذين يقدرون جهود المرأة وتضحياتها، ويعطون اعتبارا لإنسانيتها وكينونتها، ويرفضون بالمطلق أن تتحول المرأة على أيديهم إلى ورقة محروقة انتهت بانتهاء مصالحهم وأغراضهم منها، مما يحيل إلى أن أصيل الطباع يظل أصيلا لا يخضع للمساومة والمتاجرة بقيمه ومبادئه ومواقفه النبيلة، بينما الأنذال جاهزون للمتاجرة بكل شيء وفي أي وقت ولا تهمهم أصول ولا مبادىء ولا شيء.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *