أحمد الطود معلقا على ضجة محمود درويش حول حداثة المتنبي*/ أجرى الحوار: منتصر حمادة

الحداثة الشعرية هي حداثة نخبة وهذا مظهر آخر من مظاهر أزمتها

أجرى الحوار : منتصر حمادة

صرّح محمود درويش بأن الحداثة تكرر نفسها ، وأن الشعر الحديث وقع في نمطية مبكرة وأصبح مصابا بالتشابه والتكرار ؛ كما قال إن المتنبي أكثر حداثة من كل الشعراء المحدثين الآن .

ما تعليقكم على هذا التصريح؟

ما قاله درويش في ندوة صحفية بقرطاج ليس جديدا وليس كافيا أيضا ، وأنا لا أتهمه بأنه وصل متأخرا ليعلن في حياء شديد ما ليس بالجديد ، فأسئلة الصحافيين هي التي وصلت متأخرة لاستفزاز درويش حتى يعلن بدوره عما تعانيه الحداثة الشعرية من أزمة ، وطبعا ما يقوله درويش باعتباره شاعرا حداثيا كبيرا تكون له أهمية خاصة ويكون له مذاق خاص.

أزمة الحداثة ليست قضية جديدة فقد سلطتْ عليها الأضواءَ الكاشفةَ دراساتٌ عديدةٌ أنجزها مفكرون ومبدعون مشارقة ومغاربة أذكر منهم تمثيلا لا حصرا الشاعر أحمد المجاطي في كتابه ” أزمة الحداثة في الشعر العربي ” والناقد نجيب العوفي في كتابه “مساءلة الحداثة ” . وكون المتنبي أكثر حداثة من كل الشعراء المحدثين الآن فذلك ما لا جدال فيه لأن المتنبي استطاع أن يخضع الدهر لسلطته كشاعر وجعله أحد رواة شعره:

ومـا الـدهـرُ إلاّ مـنْ رواةِ قـصـائـدي ………. إذا قـلـتُ شـعْر ًا أصـبـح الدهـرُ مـنْـشـدا

فبعد عشرة قرون ما زال المتنبي حاضرا بين المثقفين يطرح الأسئلة ويثير القضايا ، ينام ملءَ جفونه عن شوارد شعره ، ويسهر الخلق جراها ويختصم.

أنت إذن تقرّ بأنّ الحداثة الشعرية في أزمة ؟

بل هي أزمة الأزمات –

كيف ؟

الحديث عن أزمة الحداثة الشعرية العربية له بداية وليست له نهاية ، ومع ذلك دعني أختزل الجواب في كوني لا أفهم كيف يمكن للحداثة الشعرية أن تتحقق في حياة عربية متخلفة على حميع المستويات بدءً من تفشي الأمية ؛ لا تهمك المظاهر ، فالحداثة لا تتحقق بالمظهر ولكنها نِـسْـغٌ يتحرك في الجوهر . إنّ ما يسميه البعض بالحداثة ليس سوى ادعاء للحداثة فالحداثة شيء وادعاء الحداثة شيء آخر.
أدونيس ينفي في بيانه الشهير أن تكون في المجتمع العربي حداثة علمية وهذا واقع ملموس ، ويرى أن حداثة التغيرات الثورية الاقتصادية والسياسية هامشية لا تلامس البنى العميقة وهذا أيضا واقع ملموس . لكن أدونيس يصر على أن هناك حداثة شعرية عربية متقدمة على الحداثة العلمية ، وهذه الحداثة تبدو لكثير من العرب كأنها جسم غريب مستعار وهذا ما يفسر عداءهم لها ..

إذ ًا ، وحسب قداسة بابا الحداثة أدونيس ، الحداثة الشعرية هي حداثة نخبة أو هي حداثة أقلية وهذا مظهر آخر من مظاهر أزمتها أكده محمود درويش في مؤتمر قرطاج حيث ردَّ على بعض الصحافيين قائلا هناك أزمة ثقة بين الشعر العربي الحديث والمتلقي الذي لا يجد نفسه في هذا الشعر الذي يبدو وكأنه غير معترف بالقارئ . إن نصا شعريا بلا متلق يصبح نصا ميتا.

ما علاقتك الشخصية بالحداثة ؟

الحداثة ليست مطلقة ، ففي كل شاعر قليل أو كثير منها ، وإذا شئت فأنا لا أحمل أي هم يرتبط بالحداثة . همي الوحيد هو الشعر . حين أقرأ نصا شعريا فاتنا فأنا أمام أجمل تجليات الحداثة . الحداثة تخترق الأزمنة والشعر إفراز جمالي والجمال بدوره يخترق الأزمنة . أنا لا أكتب بالشفرة رسائل موجهة إلى أعضاء منظمة سرية ، ولكنني أكتب قصائد بلغة الناس أتوجه بها إلى الناس . حين أكتب لا أحمل من هم أو قضية سوى أن أعبر تعبيرا صادقا وجميلا عن تجربتي ، بمعنى أنني أثناء معاناة الكتابة لا أفكر في الولاء لمذهب أدبي ولا في الإخلاص لطريقة .

ما يهمني أولا وأخيرا هو أن أكون شاعرا. بهذا المعنى لا أستطيع الزعم بأنني شاعر حداثي ولكنني أستطيع الزعم بأنني شاعر ينشد الحداثة ، والحداثة التي أنشدها ليست حداثتي كشاعر ، وإنما حداثتنا نحن كمجتمع وكشعب وكأمة .. وهي حداثة لن تتحقق بنمط مغايرفي كتابتنا الشعرية، ولن تتحقق إلا بنضال جماعي دائب مرير في طريق طويل وعر عسير.

الحداثة لا تتحقق لأن شاعرا استورد رؤيا وكسر اللغة ، و سلح على مشاعرنا وأذواقنا وقيمنا الجميلة ، وزج بنا في اللا شكل واللا مضمون ليجعلنا مثله نوعا من الكائنات الخرافية . والحداثة ليست هي الكاليغرافية أو العدمية أو الفوضوية ، ولا تكون بهروب الشاعر أو بتوهمه الهروب إلى المستقبل ، فالشعراء القدامى الذين نجد في إنتاجهم حساسية حداثية إنما استطاعوا الوصول إلينا لأنهم كانوا مبدعين معبرين بصدق وبفنية عالية عن هموم الإنسان ولواعجه الفكرية والعاطفية وصراعاته من أجل صيانة كرامته وتلبية حاجاته .

فحين يتمكن شاعر من النفاذ إلى العمق الإنساني ويمسك بالجوهري المشترك بين الإنسانية فسيحتل مكانته المرموقة لا بين أبناء عصره فحسب ، بل وأيضا بين أبناء جميع العصور.

كيف ينشد الشاعر المعاصر الحداثة ؟

ينشدها بالانغماس الكلي في هموم مجتمعه الاجتماعية والسياسية حتى لا يكون إبداعه كما قال نجيب العوفي فاقدا الحرارة ، فاقدا المرارة .. ينشدها حين يقف صامدا بروح قتالية عالية في مواجهة صانعي الفقر ومغتصبي الحرية ولصوص الكرامة البشرية ومبددي ثرواتنا الوطنية والمتواطئين مع سارقي أراضينا وأوطاننا والساعين بكل أسلحتهم الفتاكة لتشويه قيمنا الأصيلة وملامحنا الجميلة .. وينشدها حين يحترم اللغة فلا ينهال عليها بأدوات التكسير والتشظية والتفتيت والسحق لذرها رمادا في عيني القارئ يؤذيهما ولا يجديهما نفعا كما قال المرحوم طه حسين.

ولكن بعض الحداثيين يذهبون إلى أن تكسير اللغة يساهم في تطويرها ؟

ما دامت اللغة هي أداة الشعر ، فإن تكسيرها تشويه للشعر . اللغة لا تتطور بإرادة فردية مسبقة ، ولكنها تتطور بحكم انسيابها في مجراها التاريخي بفعل جماعي لمبدعيها والمفكرين بها ، وهذا ما يجعلنا نلاحظ أن عربية العصر المتأخر تختلف عن عربية عصور سابقة ، وهذا الاختلاف ناتج عن اختلاف أساليب التعبير بين عصر وعصر بحكم مؤثرات وتفاعلات ثقافية وحضارية . هناك نصوص يزعم كتابها أنها شعر حداثة بينما هي ليست سوى لغجون.

ماذا تقصد باللغجون ؟

مصطلح أقترحه ربما كان نافعا في نقد الحداثة الشعرية .. واللغجون كلمة دارجة في عاميتنا المغربية يقصد بها ذلك الكلام الذي ينزل على نفس سامعه كجلمود همٍّ حطه الويل من عل ، كلام ثقيل لا تستطيع تمييز رأسه من قدميه ولا أوله من آخره . كلمة اللغجون إذا فككناها ربما كانت من حيث لم يقصد واضعها ولا مستعملوها ذات شقين منحوتين من كلمتين أخريين : فاللام والغين من اللغو ، والجيم والواو والنون من المعجون ؛ فاللغو وهو الكلام الذي لا طائل منه حين يعجن ، تختلط أجزاؤه وعناصره فيصير لغجونا يستحق مبدعوه كما قال الأستاذ أحمد عبد السلام البقالي تصفيقا طويلا بأيد غليظة على أقفائهم.

* نشر هذا الحوار ورقيا في صفحة ” ثقافة ” بجريدة ” الصحراء المغربية ” بتاريخ : 12 . 9 . 2005

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *