ثقافة الاعتراف / بقلم : أ.د. عبد الرحمن بودرع

أفضّلُ كلمةَ الوَفاء عَلى كلمة الاعتراف، وأقولُ في ذلكَ: إنّ من آفاتِ التَّرجَمة قولَهُم: ثَقافةُ الاعترافِ، فَكيفَ نُسمّيه اعترافاً من غيرِ ذنبٍ مُرتكَبٍ في حقِّ المُحْتَفى به، ولا تُهمَةٍ مُلصقَةٍ بالمُحتَفينَ، فاللفظُ ترجمةٌ غيرُ سَليمةٍ للعبارَة الأجنبيّة : Culture of recognition / culture de reconnaissance

انظر إلى عنوان هذا الكتاب الذي يُرشد إلى الانتقال من ثقافَة الارتكاز على الذّات إلى ثقافَة الوَفاء أو الاعتراف بالتقصير عن الوفاء بفَضل المُستحِقّين:
How to Overcome Ethnocentrism: Approaches to a Culture of Recognition by History in the Twenty-First Century; JÖRN RÜSEN

ثمَّ استمعْ إلى دَعوات بإقرار ثَقافَة الوفاء والتّذكير بفضَل أهل الفضْل :
culture of recognition: organizations are encouraged to establish a culture of recognition in various workplaces

culture de reconnaissance : les organismes sont donc encouragés à implanter une culture de reconnaissance dans les divers milieux de travail

لقَد انتشرَت في الأوساط الثَّقافيّة العربية التي تتداوَلُ ألفاظاً ومُصطلحاتٍ يُعبَّرُ بها عن قيمٍ اجتماعيّةٍ، ألفاظٌ غَريبةٌ اتُّخِذَتْ تَعريباً لألفاظٍ أجنبيّةٍ مُستعملةٍ في السّياقِ نفسِه، من هذه الكلماتِ ما يُسمَّى اليومَ بثقافَة الاعتراف.

وعندَما يسمَعُ المتكلّمُ بالعربيّة العارفُ بدلالاتها هذا اللّفظَ «الاعتراف» يتبادَرُ إلى ذهنِه معْنىً غريبٌ ليسَ هو المُرادَ، ذلكَ أنّ الاعترافَ يُستعمَلُ في نسقٍ دلاليّ خاصٍّ به لأّنّ لكلّ كلمةٍ حَمولة دلاليّةً وثقافيّةً كامنةً فيها بالقوّة قبلَ الانتقالِ بها إلى إنجازِ التّعبير: فالفعلُ اعترَفَ -مَثلاً- يُستعمَلُ في سياقِ الاعتراف بالذّنبِ: باءَ بذَنْبِه وبإِثْمِه يَبُوءُ بَوْءاً وبَواءً احتمَله وصار المُذْنِبُ مأْوَى الذَّنب وقيل اعْتَرفَ به. وفي حَديثِ ماعزِ بن مالكٍ أَنه اعْتَرَفَ بالزنى. وفي التّنزيل العَزيز قولُه تعالى: « فاعتَرفوا بذنبهم، فَسُحقاً لأصحاب السّعير». واعْترف فلان إذا ذَلَّ وانْقادَ؛ قالَ الشاعرُ: # أَتَضْجَرينَ والمَطِيُّ مُعْتَرِفْ #. وعرَف بذَنْبه عُرْفاً واعْتَرَف أَقَرَّ . واعترَفَ الجاني بالجِنايَة مِن غَير بَيِّنة تقومُ عَليه .

فالاعترافُ يأتي في سياقِ الإقرار بالذّنبِ أو الجَريمَة أو تَصديقِ التُّهمةِ ، ولا يأتي في سياقِ الشَّهادَة المَعْلومَة غيرِ المُنْكَرَةِ ، وأنّ الذي يُشهَدُ له بفضْلِ وعَملٍ وتضحيةٍ ليسَ بمُتَّهمٍ عند القَومِ ولا مَظنونٍ، وليسَ الذينَ يَشهدونَ له بذلِك الفَضلِ في مَوضعِ تهمةٍ وإنكارٍ حتّى يَحْتاجوا إلى إقرارٍ واعترافٍ بعدَ إنكارٍ .

هذا ما نَطَقَت به العربيّةُ، ولكنّ القومَ أخرجوا المَعْنى، لا مَجازاً ولا انزياحاً، ولكن استهلاكاً للجَديد الوافدِ، من غيرِ نظرٍ في قَوالبِ التّنزيلِ.

نَعَم، يَجوزُ أن نَقولَ: ثَقافَة الاعتراف، ولكن لا بُدَّ من قيدٍ نُقيِّدُ به هذا الاعترافَ: ثقافة الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه، وثَقافَة الاعتراف لأهل الفضل والعلم بعدَ أن أهْمَلنا ذكْرَهُم وشُكرَهم وأنكرْنا فَضْلَهُم .
فإن لم نُقيِّد الاعترافَ، فينبغي لَنا أن نستبدلَ به غيرَه كأن نَقولَ: ثَقافَة الوَفاء، بَدَل الاعتراف…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *